نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفى فى القرن الخامس ودور الهروى فيه


ثمة صوفي آخر بالإضافة للقشيرى والغزالى من صوفية القرن الخامس ، كان له معهما أثر واضح فى التأثير على اتجاه حركة الطريق الصوفى ، والأخذ بها إلى وجهتها الصحيحة نحو الاتجاه السنى المبنى على الكتاب الكريم والسنة الشريفة، ذلك هو الإمام الهروي. (راجع أيضا: @الطريق الصوفى فى القرن الخامس ودور القشيرى فيه@) ، (@الطريق الصوفى فى القرن الخامس ودور الغزالى فيه@)، (@الطريق الصوفى فى القرن الخامس@).

ويستند تصوف الهروى بوضوح مثله مثل القشيرى والغزالى إلى عقيدة أهل السنة([1])، كما يعتبر من أصحاب الاتجاه الإصلاحي للتصوف، وهو من المنكرين على أصحاب الشطحيات من أمثال البسطامي والحلاج.

والهروي أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، ولد بهراة من أعمال خراسان عام 396هـ، وكان –كما يقول ماسينيون- من أبرز فقهاء الحنابلة، ومؤلفاته في التصوف قيمة([2]). ولما كان الهروي حنبليًّا فقد اشتدت خصومته لمذهب الأشاعرة. 

وأهم ما كتب الهروي في التصوف كتابه (منازل السائرين إلى رب العالمين)، وهو كتاب موجز شيق يصف فيه مقامات الطريق الصوفي أو منازله، ويجعل لها بدايات ونهايات، ويقول: «إن العامة من علماء هذه الطائفة اتفقوا على أن النهايات لا تصح إلا بتصحيح البدايات، كما أن الأبنية لا تقوم إلا على الأساسات، وتصحيح البدايات هو إقامة الأمر على مشاهدة الإخلاص ومتابعة السنة»([3]).

وقد كُتبت شروح كثيرة على (منازل السائرين) من أهمها شرح ابن القيم المتوفى سنة 751هـ المعروف بــ: (مدارج السالكين)، وشرحاللخمي المتوفى سنة 650هـ، والفاركاوي المتوفى سنة 795هـ، وقد نشرهما الأب دي بوركي (منشورات المعهد العلمي الفرنسي بالقاهرة، 1954م).

والهروي صاحب نظرية في الفناء في التوحيد شبيهة بنظرية الجنيد([4])، وقد شرحها ودافع عنها ابن القيم في (مدارج السالكين)، ونبه إلى الفرق بينها وبين الاتحاد ووحدة الوجود.

ويرى الهروي للفناء درجات ثلاث يشير إليها بقوله: «الفناء...اضمحلال ما دون الحق علمًا، ثم جحدًا، ثم حقًّا»([5]).

فالفناء الأول يشير إلى اضمحلال المعرفة وتلاشيها في المعروف وهو (الله)، فيغيب الصوفي بمعروفه عن معرفته.

والفناء الثاني يشير إلى جحد السوى في حال الغيبة، وهو جحد أو إنكار غير حقيقي، فقد يغيب الصوفي عن العالم دون أن ينكر وجوده، وهنا الفرق بين الاتحادية والهروي كما يقول ابن القيم، فالاتحادي يجحد السوى بالكلية، فيقول: ما ثَمَّ غير بوجه ما([6]).

والفناء الثالث هو الاضمحلال الحقيقي، فبعد فناء الصوفي عن شهود السوى، يفنى عن الفناء نفسه، يقول ابن القيم: «إن هذا الفناء في التوحيد هو فناء خاصة المقربين»([7]).

ويقارن ابن القيم بين الفناء الهروي وفناء أصحاب وحدة والوجود قائلًا: «فأما الفناء عن وجود السوى، فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثَمَّ غير، وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة، ونفى التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار، فلا يشهد غيرًا أصلًا، بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب، بل ليس عندهم في الحقيقة عبد ورب».

«...وأما الفناء عن شهود السوى، فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين، ويعدونه غاية، وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري الهروي كتابه (يقصد منازل السائرين)، وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه. وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤهم عن شهودهم وحسهم، فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده، بل غيبته –أيضًا- عن شهوده ونفسه؛ لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حبه، وبمشهوده عن شهوده. وقد يسمى حال مثل هذا سكرًا واصطلامًا ومحوار جمعًا»([8]).

وينقد الهروي - باعتباره صاحب اتجاه سني- صوفية الشطح، فيقول: «ومنهم  -من الصوفية المنحرفين- مَنْ لَمْ يميز مقامات الخاصة وضرورات العامة، ومنهم من عَدَّ شطح المغلوب مقامًا، وجعل لبوح الواجد (صاحب الوجد) ورمز المتمكن (الصوفي الراسخ) سببًا عامًّا، وأكثرهم لم ينطق عن الدرجات»([9]).

ويؤثر الهروي مقام السكينة المنبعثة من الرضا عن الله، وهي مانعة من الشطح، فيقول: «الدرجة الثالثة -من درجات السكينة- السكينة التي تثبت الرضى بالقَسْمِ، وتمنع من الشطح الفاحش، وتقف صاحبها على حد الرتبة»([10]).

وهو يعني هنا بالشطح الفاحش مثل ما نقل عن أبي يزيد ونحوه، بخلاف الجنيد وسهل –التستري- وأمثالهما، فإنهم لما كانت لهم هذه السكينة لم تصدر منهم شطحات.

ولا ريب أن الشطح سببه عدم السكينة، فإنها إذا استقرت في القلب منعته من الشطح وأسبابه([11]).

كما يعني بــ: (حد الرتبة): وقوف الصوفي «عند حده من رتبة العبودية، فلا يتعدى مرتبة العبودية وحدها»([12]). ولما كانت هذه السكينة «لا تنزل -في رأي الهروي- إلا على قلب نبي أو ولي»([13])، فإنه ينفي بذلك صراحة أن يكون البسطامي أو الحلاج موصوفين بالولاية، لما أثر عنهم من شطحيات فاحشة.

المرجع : مدخل إلى التصوف الإسلامي، د. أبوالوفا الغنيمي التفتازاني، القاهرة: مكتبة الثقافة للطباعة والنشر، ط 2، 1976م، (ص 179-181).

 


([1])    ينتمي الهروي إلى الحنابلة، وهم من السنة والجماعة، غاية ما في الأمر أنهم أكثر تعويلًا على الحديث، ولا يتأولون النصوص الدينية خلافًا للأشعرية. وليس هناك في رأينا ما يبرر اعتباره ممثلًا لنوع من التصوف خاص يسميه زميلنا الدكتور عبد القادر محمود في كتابه: (الفلسفة الصوفية في الإسلام، القاهرة، 1967، ص 100 وما بعدها) بــ: (التصوف السلفي)، فإن لفظ (السلفية) أطلق فيما بعد على ابن تيمية وتلاميذه، وهم السلف المتأخرون.

والمحاسبي من قبل الهروي يدرج في عداد السلف. (الشهرستاني (الملل والنحل) بهامش الفصل: جـ1، ص 92-93)؛ لأنه دافع عن عقائد السلف، ويقصد بهم: الصحابة ومن تابعهم، بالأدلة العقلية، وألف فيها. لذلك فإن مذهب أهل السنة والجماعة يشمل الهروي وغيره ممن اتخذوا اتجاهه من قبله، وهذا لا ينفي أنه توجد تحت هذا المذهب الواحد اتجاهات مختلفة بالنسبة لاستخدام التأويل أو عدم استخدامه.

)[2](    Recueil de texts, p. 90.

([3])    منازل السائرين، طبع مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1328هـ: ص3.

([4])    يذكر الهروي الجنيد في صدر المنازل: ص 3، وينقل عبارات له.

([5])    منازل السائرين: ص3.

([6])    ابن القيم مدارج السالكين، القاهرة 1956م: جـ1، ص 149.

([7])    مدارج السالكين: جـ ،ص 153.

([8])    مدارج السالكين: جـ1، ص 154-155.

([9])    منازل السائرين: ص 3. وعبارته هنا شبيهة بعبارة الجنيد حين وصف البسطامي بأنه لم يخرج عن حال البداية. انظر: ص 147 من هذا الكتاب.

([10])   منازل السائرين: ص22.

([11])   مدارج السالكين: جـ3، ص 512.

([12])   مدارج السالكين: جـ3، ص 512.

([13])   مدارج السالكين: جـ3، ص 512.


التقييم الحالي
بناء على 53 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث