نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفى - العهد

إذا كان الطريق يتشكل ويتكون من شيخ ومريد فإن الذي يربط بينهما العهد والبيعة، والعهد : هو أوثق رباط بين رجلين تحابا في الله وتعاهدا على طاعته، إنها بيعة لله وفي الله وبالله.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[الفتح: 18].

وقال رسول الله ×فيما رواه الإمام البخاري تمن حديث عبادة بن الصامت توهو أحد النقباء ليلة العقبة، أن رسول الله ×قال وحوله جماعة من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه». فبايعناه على ذلك.

ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[الفتح: 10].

والعهد والمبايعة للشيخ معناه الأخذ والمصافحة. ومبايعة الشيخ مبايعة لرسول الله ×فكل بيعة حصلت بعد بيعة الرسول ×هي في الحقيقة تجديد لبيعته.

والآية الكريمة السابقة توضح أن بيعة الرسول هي بيعة لله على ما ذكرنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[الفتح: 10].

وقد شاع بين الصوفية مصطلحات تدل على عمق العلاقة بين الشيخ والمريد، فسموا بداية الرباط بـ: العهد، البيعة، التحكيم، إلباس الخرقة، الطريق، وهي ألفاظ لها دلالات تربوية سلوكية عميقة، تعني بحسب الظاهر ابتداء الرابطة بين المريد السالك والشيخ الكامل، وبحسب الحقيقة والباطن ربط المريد بالمراد سبحانه([1]).

ويرجع العهد في اللغة إلى عدة معانٍ منها: الوصية، والضمان، والأمر، والرؤية، والمنزل.فكل ما عُوهِد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق هو عهد، وأمر اليتيم من العهد، وكذلك كل ما أَمَر اللهُ به ونَهَى عنه.وفي حديث الدعاء: "وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْت"([2]).

والعهد في الاصطلاح - على ما عرفه الجرجاني -: "حِفْظُ الشيء ومراعاته حالا بعد حال"([3]).

وهذا المعنى متحقق في العهد عند الصوفية، حيث يُقْصَد بأخْذ العهد على المريد أن يحافظ على الواجبات والآداب الشرعية، ويراعي ما يُلقِّنه له شيخه من الأذكار والأوراد والمجاهدات حالا بعد حال، ولا يهملها ولا يغفل عنها، فالمقصود بالعهد عند الصوفية هو التأكيد على السالك والمريد بالانتقال من حياة الغفلة وغلبة الشهوات إلى حياة التوبة والمراجعة للنفس والتفتيش عن عيوبها والإقبال على الله، فيتحقق بهذا العهد التأكيد على الانتقال من حال إلى أخرى، ومن مرحلة إلى مرحلة جديدة.

يقول الشيخ السهروردي – الذى وصفه الذهبى بأنه الإمام العالم القدوة الزاهد المحدث شيخ الإسلام([4])- في لبس الخرقة، وفيها معنى العهد والمبايعة: "ارتباطٌ بين الشيخ وبين المريد، وتحكيمٌ مِن المريد للشيخ في نفسه، والتحكيم سائغ في الشرع لمصالح دنيوية، فماذا ينكر المنكر للبس الخرقة على طالب صادق في طلبه، يقصد شيخا بحسن ظن وعقيدة، يحكمه في نفسه لمصالح دينه،يُرْشِدُه ويهذبه، ويعرفه طريق المواجيد، ويُبَصِّرُه بآفات النفوس وفساد الأعمال ومداخل العدو"([5]).

وفي معنى العهد أيضا البيعة([6])، فهي مدخل الصحبة المباركة بين الشيخ المربىومريد الوصول إلي معرفة الحق تبارك وتعالى، وبها يسري تأثير الشيخ في مريده بالحالوالمقال، ويتحقَّق الرباط الوثيق الذي يستهدف تزكية النفس الإنسانية وصلاح القلبوالروح.

وذلك لأنه لا يكفي عند الصوفية في سلوكهم إلى طريق الله سبحانه وتعالى مجرَّدُ العلم، فمجرد قراءة كتب التصوف عندهم - بلا معاناة لتهذيب النفس ومجاهدتها - إنما تُعَدُّ متعة ذهنية، وثقافة عقلية، قد تشارك فيها النفس الأمارة بالسوء، فتكون طريقا إلى الضلالة طردا أو عكسا، أما المنح الروحية من الله تعالى فهي نتيجة الجهود والأعمال؛ فالصوفية أرباب أحوال، لا أصحاب أقوال، وعندهم لم ينل المشاهدة من ترك المجاهدة.

والبيعة عقد إلزامي يلزم المتعاقدين بكل ما في بنود البيعة، والبيعة أشد وأوثق من الإيمان ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾[النحل: 91].

ومهما تعددت صور وكيفيات أخذ العهود لكل طريقة إلا أنها تتفق في أن واجب المريد الذي يرغب في أخذ العهد عن شيخ هو الطاعة لشيخه، وينبغي على هذا الشيخ أن يأمره «بالتطهير من الحدث والخبث ليتهيأ لقبول ما يلقيه عليه ويتوجه إلى الله تعالى. ويسأله القبول لهما ويتوسل إليه في ذلك محمد ×لأنه الواسطة بينه وبين خلقه، ويضع يده اليمنى على يده اليمنى، ثم يقول للمريد بعض سور القرآن وآيات المواثيق والعهود ، ويقول المريد مثلما يقول له شيخه، ثم يقول له الشيخ: قل اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وأنبيائك ورسلك وأوليائك أني قد قبلته شيخا في الله ومرشدًا وداعيًا، ثم يقول الشيخ: اللهم إني أشهدك أني قد قبلته ولدًا في الله تعالى فاقبله وأقبل عليه وكن له ولا تكن عليه وانظر غايتك إليه»([7]).

والسائر في طريق الله سبحانه لابد له مِن تَرْك المرغوبات والمألوفات، ومراعاة الأنفاس، ثم لابد له من زادٍ وهو التقوى، وسلاح يتقوَّى به على عدوه اللدود وهو الذكر، ومركوب يُقَصِّر عليه وعثاء السفر وهو الهمّة.

ولا يستقيم السير مع كل هذا إلا بدليل، وهو الأستاذ المتَّصف بكمال المتابعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الكامل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، البالغ حدَّ التكميل فيها، لعلمه بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها، ومعرفته بدوائها، وقدرته على شفائها والقيام بهداها إن استعدت ووُفِّقِت لاهتدائها. 

فالشيخ هو الأستاذ الروحي والمربي الفاضلالذي سلك طريق الحق، وعَرَفَ المخاوف والمهالك والحدود، فتولَّى تربية المريدين والإشارة عليهم بمستلزمات السلوك، ومقتضيات الوصول إلى قرب الخالق عز وجل، ولابد أن يكون الشيخ قد أَخَذَ الطريقَ عن شيخٍ سابقٍ، بحيث تتسلسل متابعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون قد ذاق حقائق الطريق وتخلَّق بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وانتقلت إليه خبرات شيوخه عن شيوخهم في كيفية ترتيب السلوك وتربية المريدين([8]).

وقد اشتهرت عباراتهم "مَن لا شيخَ له فالشيطان شيخه".فمَن أراد السلوك إلى الله على يد بعض الواصلين وقد يسرَّ اللهُ له مَن هو كذلك، فعليه أن يَلْزِم نفسَه طاعته والدخول تحت أوامره ونواهيه.

فإن الشيخ المربي يتعهَّد السائرَ إلى الله بالتوجيه ويرشده إلى الطريق الحق، ويُضيء له ما أظْلَم من جوانب نفسه، حتى يَعْبُد الله تعالى على بصيرة وهدى ويقين.فالمريد يبايع الشيخ المربي، ويعاهده على السير معه في طريق التخلي عن العيوب والتحلي بالصفات الحسنة، والتحقق بركن الإحسان والترقي في مقاماته.

وفي كتاب الله ما يدل على أهمية الشيخ المربى فقال سبحانه وتعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7] فدل على أن قضية المعلم الهادي والشيخ المربى ضرورة لزومية طبعًا وشرعًا.

ومن هنا أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15]، ولم يدع الله الناس لأفكارهم وحدها وإن سمت، فإن العقل مهما بلغ فهو محل للخطأ، ولأن العلم وحده قد يكون طريق الهلاك، والأدلة شتى في تواريخ الفلاسفة والمفكرين بين العقليين وأصحاب المذاهب الاجتماعية المختلفة والواقع المكرر.

ومن هنا وُجِد الإشراف والتوجيه البشري في كل شيءٍ سواء أكان وظيفة أم تجارة أم تعليما أم احترافا أم إدارة أم غير ذلك([9]).

 وحِفْظُ العهد هو الوقوف عند ما حدَّهُ اللهُ تعالى لعباده فلا يفقد حيث أُمر، ولا يوجد حيث نُهي، وحفظ عهد الربوبية والعبودية هو ألا ينسب كمالا إلا إلى الرب، ولا نقصانا إلا إلى العبد.

فالعهد في حقيقته عهد الله، واليد يد الله :{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، ومن هنا كان التحذير من عاقبة النكوص والمخالفة ونقض العهد: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10]، فالعهد الظاهر عهد الشيخ، والعهد الباطن الحقيقي هو عهد الله سبحانه وتعالى.

فإذا اتضح معنى العهد الصوفي في اللغة وفي عرف الصوفية، بقي سؤال، وهو: هل لهذا العهد الصوفي توجيه شرعي، وتخريج يجعله منسجما مع أصول الشرع الشريف؟

والجواب: نعم له تخريج شرعي من نصوص الكتاب والسنة:

فأما القرآن، فقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}  [الفتح:10].

قال صاحبتفسير [روحالبيان]: «المبايعون ثلاثة: الرسل، والشيوخ الورثة، والسلاطين.والمبايع في هؤلاء الثلاثة على الحقيقة واحد وهو الله تعالى، وهؤلاء الثلاثة شهودُ الله تعالى على بيعة هؤلاء الأتباع، وعلى هؤلاء الثلاثة شروطٌ يجمعها القيام بأمر الله، وعلى الأتباع الذين بايعوهم شروط يجمعها المتابعة فيما أُمِروا به.فأما الرسل والشيوخ فلا يأمرون بمعصية أصلا، فإن الرسل معصومون من هذا، والشيوخ محفوظون. وأما السلاطين فمَن لَـحِق منهم بالشيوخ كان محفوظا ولا كان مخذولا، ومع هذا فلا يطاع في معصية، والبيعة لازمة حتى يلقوا الله تعالى»([10]).

فبيعة الخلافة الإسلامية أو بيعة الحكام([11])لها اشتراك معنوي ببيعة الشيخ والمربي من حيث إنه اشتُرط في كل منهما الاجتماع على القيام بأمر الله والبعد عن نواهيه، والمتابعة فيما أمروا به.

وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا} [الإسراء:34]، فالعهد المذكور عام شامل أنواع البيعة الثلاثة التي ذكرت آنفا، ومنها البيعة بين الشيخ المربي ومريديه.

وتخصيص الآيات الواردة بصورة معينة للبيعة دون الأخرى- تخصيص بلا مخصص ومحض تحكم لا وجه له.

ومن السنة النبوية ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَايِعُونِي عَلَى ألا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ. فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك»([12]).

وعن يعلى بن شداد قال: حدثني أبي شداد رضي الله عنه وعبادة بن الصامت حاضِرٌ يُصَدِّقه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هَلْ فِيكُمْ غَرِيبٌ؟- يعني من أهل الكتاب - فقلنا: لا يا رسول، فأمر بغلق الباب فقال: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ وَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فرفعنا أيدينا ساعة وقلنا: لا إله إلا الله، ثم وضَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدَه ثم قال: الحَمْدُ للهِ، الَّلهُمَّ بَعَثْتَنِي بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَأَمَرْتَنِي بِهَا، وَوَعَدْتَنِي عَلَيهَا الجَنَّةَ، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ. ثم قال:أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ»([13]). وقد ذكر الشعراني أن في الحديث دليلا لما يفعله الشيوخ من تلقينهم للذكر لجماعة معا([14]).

وعن بشر بن الخصاصية رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه، قال فاشْتَرَطَ عليَّ شهادةَ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنْ أُقِيمَ الصلاةَ، وأنْ أُؤدِّيَ الزكاةَ، وأنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الإسلام، وأنْ أَصومَ شَهْر رمضان، وأنْ أُجاهِد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فو اللهِ ما أطيقُهما الجهادُ والصدقةُ. فإنهم زَعَمُوا أنه مَن ولَّى الدُّبر فقد بَاءَ بغضبٍ من الله، فأخاف إن حَضَرَت تلك جَشِعَت نفسي([15])وكَرِهَتِ الموتَ. والصدقة، فو اللهِ ما لي إلا غُنَيمَةٌ وعشرُ ذود([16])هُنَّ رِسْلُ([17])أهلي وحمولتهم([18]). قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حرَّك يده، ثم قال: فلا جِهَادَ ولا صَدَقَة! فلِمَ تَدْخُل الجنَّةَ إذًا؟!  قال: قلت: يا رسول الله أنا أبايعك. قال: فبايعت عليهن كلهن([19]).

وروي عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: "قلت: يا رسول الله اشْتَرِطْ عليَّ فأنت أعْلَم بالشرط. قال: أُبَايعُكَ علَى أَنْ تَعْبُدَ اللهَ لا تُشْرِكُ بِه شِيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَنْصَحَ المُسْلِمَ، وَتَبْرَأَ مِنَ الشِّرْكِ"([20]).  وعن جرير أيضا قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصْح لكل مسلمٍ»([21]).  

يستفاد مما ذكر من آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: أن العهد الصوفي المذكور يمكن أن يُخَرَّج على هذه الأصول الشرعية، ولما فيه من التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}[المائدة :2]

وعلى هذا فليس في العهد الصوفي بهذا الاعتبار من مخالفة شرعية، ولا يعد متعارضا مع أصول الشريعة، ونصوص الكتاب والسنة تشهد له، وفقنا الله لطاعته في السر والعلن. والله أعلم.

 

المراجع:

- موقع دار الإفتاء المصرية، باب قضايا إسلامية، موضوع "العهد".

- أ/د عامر النجار، الطرق الصوفية في مصر ، القاهرة:مكتبة الأنجلو المصرية ، د ت، ص 38-39.

 


([1]) للتوسع في الموضوع راجع: عبد الله يوسف الشاذلي (الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف)، التصوف الإسلامي في ميزان الكتاب والسنة (5/181 – 218) ، وبحث "العهد عند الصوفية"، للأستاذ: أشرف سعد، نُشر في مجلة البحوث والدراسات الصوفية بالعشيرة المحمدية، العدد الثاني، جمادى الثاني 1427هـ- يونيو 2006م، والموسوعة اليوسيفية في أدلة الصوفية ص (383).

([2]) التعريفات، الجرجاني، (ص 69).

([3]) أخرجه البخاري في كتاب «الدعوات» باب «أفضل الاستغفار» حديث (5947) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.

([4]) سير أعلام النبلاء (22/373) .

([5]) عوارف المعارف، السهروردي، (1/155).

([6])والبيعة على أنواع: منها بيعة الإسلام، ومنها بيعة الخلافة، ومنها بيعة التمسك بحبل التقوى، ومنها بيعة الهجرة والجهاد، ومنها بيعة التوثق في الجهاد.

([7])    ظهور الحقائق للعطاس ص30.

([8]) انظر: الطريق الصوفي، يوسف زيدان، ص (44- 45). 

([9]) انظر: الموسوعة اليوسيفية ص (375).

([10]) روح البيان (9/21).

([11])وهي كما عرفها ابن خلدون: "العهد على الطاعة, كأن المبايع يعاهد أميره على أن يُسلِّم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين, لا ينازعه في شيء من ذلك, ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره". انظر: مقدمة تاريخ ابن خلدون ص (1/261).

([12]) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب «الإيمان» باب «علامة الإيمان حب الأنصار» حديث (18)، ومسلم في كتاب «الأحكام» باب «بيعة النساء» حديث (6787).                      

([13]) أخرجه أحمد (4/124) واللفظ له، والطبراني في المعجم الكبير (7/289) حديث (7163) ومسند الشاميين (2/157) حديث (1103)، والحاكم في مستدركه (1/679) حديث (1844)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رجاله موثقون" (1/19)، وقال الشعراني في الأنوار القدسية ص (27): "بإسناد حسن". 

([14]) الأنوار القدسية ص (27). 

([15]) جشعت نفسي: فزعت. 

([16]) الذود من الإبل: ما بين الاثنين إلى التسع، وقيل ما بين الثلاث إلى العشر. 

([17]) الرِّسْل: اللبن. 

([18]) بالفتح: ما يحتمل عليه الناس من الدواب سواء أكانت عليها الأحمال أم لم تكن، وبالضم: الأحمال. 

([19]) أخرجه أحمد (5/224) حديث (22002) واللفظ له، والطبراني في المعجم الكبير (2/44) حديث (1233) والأوسط (2/28) حديث (1126)، والحاكم في مستدركه (2/89) حديث (2421)، والبيهقي في السنن الكبرى (9/20)، وقال في مجمع الزوائد: "رجال أحمد موثقون" (1/42). 

([20]) أخرجه أحمد (4/364)، والنسائي في كتاب «البيعة» باب «البيعة على فراق المشرك» حديث (4177).

([21]) أخرجه البخاري في كتاب «الإيمان» باب «الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين» حديث (57).


التقييم الحالي
بناء على 47 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث