نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفى – مصدره من زهد النبى صلى الله عليه وسلم

إن المصادر الأولى للطرق الصوفية فى طرائقها فى تربية المريدين والسالكين ترجع أول ما ترجع إلى مصادر الإسلام الأولى فى الكتاب وسنة النبى صلى الله عليه وسلم سواء القولية أو الفعلية، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يتمثل فى سلوكه وسيرته وأفعاله وأقواله أخلاق القرآن الكريم وقيمه ، ولهذا قالت السيدة عائشة رضى الله عنه : «كان خلقه القرآن»، ففى زهد النبى صلى الله عليه وسلم وسيرته الكريمة ينبغى أن نلتمس المصادر الأولى للتصوف الإسلامى والطرق الصوفية الإسلامية الرشيدة التى بنت أسسها على قيم الكتاب والسنة .

والأخبار عن زهد النبي صلى الله عليه وسلم في عيشه كثيرة جدًا، تحفل بها كل كتب السيرة، كما تحفل بها كتب الحديث. ، والصوفية وكتب التصوف تؤكد هذا الجانب في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أساس فكرة الاقتداءبالنبي وتأكيد أن نموذجهم الأعلى في سلوكهم الصوفي هو سلوك النبي صلى الله عليه وسلم.

وأقدم كتب السيرة هي: السيرة لابن هشام (ت 218هـ) ، الطبقات الكبيرلأبي عبدالله محمد بن سعد بن منيع الزهري، (ت 230هـ ) ، ومن أتوا بعدهما من كتاب السيرة عيال عليهما، وكلاهما يؤكد شدة العيش على النبى صلى الله عليه وسلم ، وزهده في طعامه ولباسه وسائر أسباب الحياة، فمما ذكراه يمكن استخلاص الصورة التالية لعيش النبى صلى الله عليه وسلم وأحواله :  فقد كان صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي متتابعة طاويًا، وأهله لا يجدون عشاءً؛ قال: وكان عامة خبزهم الشعير» وعن أنس ابن مالك: «أن فاطمة، عليها السلام، جاءت بكسرة خبز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: أما أنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام !» وكان صلى الله عليه وسلم يشد صلبه بالحجر من الغرث (=الجوع) ، و «بينما عائشة، رضى الله عنها – تحدثني ذات يوم إذ بكت. فقلت: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ قالت: ما ملأت بطني من طعام، فشئت أن أبكي إلا بكيت أذكر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وما كان فيه من الجهد» ، وعنها أيضًا أن «رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كانت تأتي عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز بر» ، وعنها أيضًا: «ما شبع آل محمد غداءً وعشاءً من خبز الشعير ثلاثة أيام متتابعات حتى لحق بالله» .

وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع له غداءً ولا عشاءً من خبز ولحم إلا على ضفف،  وقال أيضا : «شهدت للنبي صلى الله عليه وسلم وليمةً ما فيها خبز ولا لحم». وعنه قال: «ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفًا مرققًا بعينه حتى لحق بربه، ولا شاة سميطًا قط» (الموضع نفسه).

وعن عمربن الخطاب قال: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي يومه من الجوع، ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه» . وعن عائشة قالت: «بلغني أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حتى يلتمس لذلك دواء يمرئه. فذكرت نبيكم صلى الله عليه وسلم فذاك الذي أبكاني: خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين: كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الخبز. وإذا شبع من الخبز لم يشبع من التمر».

وعن أنس بن مالك قال: «ما يرفع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شىء قط، ولا حملت معه طنفسةيجلس عليها». وعنأسماءبنت يزيد قالت: «إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- توفى يوم توفى ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بوسق من شعير». وعن عائشة رضى الله عنها قالت: «كان ضجاع النبي، صلى الله عليه وسلم، من أدم محشوًا ليفًا».

وهذه الشواهد وغيرها كثير كفيلة بإثبات أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يعيش عيشة الزهد والتقشف سواء في طعامه وفي لباسه؛ وقد استمر على ذلك حتى وفاته. ولم يكن ذلك عن عدم قدرة على الحصول على أطايب الطعام وفاخر الثياب، لأن ما خص الرسول من غنائم من المعارك التي انتصر فيها المسلمون وغنموا كان كافيًا لتوفير ما يمكنه من تحصيل ذلك، لو أراد. إنما فعل ذلك عن مبدأ في السلوك خليق بمثله، وهو مبدأ الزهد في الدنيا. ولم يكن من المعقول أن يدعو –وهو صاحب دعوة ودين جديد- إلى الزهد في الدنيا، دون أن يطبق ذلك عمليًا في حياته الخاصة. ومن هنا كثرت الأحاديث النبوية في ذم الدنيا، ونجتزئ منها بما يلي:

۱- «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِى قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِىَ رَاغِمَةٌ» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4105).

2- «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ الْمَعَادِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِى أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِى أَىِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4106).

3- «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4109).

4- «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (المصدر نفسه، برقم 4113).

5- «يَا عَبْدَ اللَّهِ كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُور» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4114).

كذلك كثرت الأحاديث في تمجيد الفقر والفقراء، ومن ذلك:

1- «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4121).

2- «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4122).

3- ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مِسْكِينًا وَأَمِتْنِى مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِى فِى زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4126).

وفي مقابل ذلك نجد أحاديث في ذم الغني والأغنياء:

1- «وَيْلٌ لِلْمُكْثِرِينَ إِلاَّ مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4129).

2- «الأَكْثَرُونَ هُمُ الأَسْفَلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَكَسَبَهُ مِنْ طَيِّبٍ» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4130).

3-«مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِى ذَهَبًا فَتَأْتِى عَلَىَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِى مِنْهُ شَىْءٌ إِلاَّ شَىْءٌ أُرْصِدُهُ فِى قَضَاءِ دَيْنٍ» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4132).

وثم أحاديث تدعو إلى القناعة والأخذ بالكفاف:

1- «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدِىَ إِلَى الإِسْلاَمِ وَرُزِقَ الْكَفَافَ وَقَنِعَ بِهِ» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4138).

2- «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4139).

3- «مَا مِنْ غَنِىٍّ وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ أُتِىَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتًا» (أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، برقم 4140).

وليس ثم أخبار مضادة لهذه فيما بين أيدينا من مصادر عن سيرة الرسول، بل كتب الصحاح والسيرة تفيض في هذه المعاني إفاضة واسعة لا تسمح بإيراد ما يناقضها.

ولا يناقض هذا السلوك في شىء ما يذكر من أن الرسول حبب إليه الطيب والنساء ، كما ثبت فى الحديث الشريف ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم :  «حُبِّبَ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِى فِى الصَّلاَةِ».

فالنبي كان يتطيب حتى كان أصحابه يعرفون خروجه بريح الطيب ، وما عرض عليه طيب قط فرده ، وكان يتطيب بالمسك والعنبر، وكان له سك يتطيب منه. وكان إذا استجمر يجعل الكافور على العود ثم يستجمر به.

ولكن من قال إن التطيب يتنافى مع الزهد ؟ خصوصًا وأن في نتن الرائحة إيذاء للغير لا يقره أي شرع أو أدب.

وتكفي كثرة الشواهد على استعمال البخور والطيب في الطقوس الدينية في مختلف الأديان لإثبات أن استعمال الطيوب والتجمير بالبخور يدخلان في الطقوس الدينية الجليلة، ولا يشتم منهما أي معنى من معاني التبذخ والترف، ولهذا فليس ثم أي مبرر للاستشهادبحب النبي – صلى الله عليه وسلم- للطيب والتجمر بالبخور، على  أي معنى من معاني الترف أو ما ينافي الزهد.

أما وقد انتهينامن هذه المسألة، فلننتقل عنها إلى المسألة الأخرى، وهي أشد تعقيدًا من الأولى، ولكنها مع ذلك سهلة الإيضاح:

أ- فهناك إجماع على أن رسول الله تزوج أربع عشرة زوجة على الترتيب التالي: السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي، وبعد وفاتها تزوج السيدة سودة بنت زمعة العامرية، وتزوج على أثرها السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة، ثم تزوج السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب ، ثم تزوج السيدة أم سلمة، ثم تزوج السيدة جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، ثم تزوجالسيدةزينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، ثم تزوج السيدة زينب بنت خزيمة الهلالية، وهي أم المساكين؛ فتوفيت عنده، ثم تزوج السيدة ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة النضيرية، وقد توفيت ريحانة ورسول الله حي، ثم تزوج السيدة أم حبيبة، ابنة أبي سفيان بن حرب، في الهدنة، وهي بأرض الحبشة، ثم تزوج السيدة صفية بنت حيي بن أخطب، ثم تزوج السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية. وتزوج فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية. فاستعاذت منه، ففارقها. ويقال إنما فارقها لبياض كان بها. وتزوج أسماء بنت النعمان الجونية، ولم يدخل بها، وهي التي استعاذت منه.

ومن هؤلاء ست قرشيات وهن: خديجة، وعائشة، وسودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وحفصة. والثماني الأخريات من العرب من غير قبيلة قريش، وهي: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وأسماء بنت النعمان الجونية ولم يدخل بها، وفاطمة بنت الضحاك الكلابية، وزينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، وريحانة بنت زيد من بني النضير وكانت مما أفاء الله عليه، وصفية بنت حيي بن أخطب وكانت مما أفاء الله عليه([1]).

وإذا تأملنا في هذه الزيجات الأربع عشرة وجدناالدوافع اليها:

أ- إما توثيقًا للصلات بين الرسول وبين أكبر أنصار الدين الجديد، وهذا ينطبق على زواجه من عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب.

ب- أو استمالة لعصبيات عربية قوية، كما هي الحال في زواجه من جويرية بنت الحارث، فقد كان أبوها الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق بن خزاعة وكان قد جمع جموعًا عديدة لمحاربة النبى صلى الله عليه وسلم ، وهزمه الرسول، ووقعت جويرية ابنته أسيرة، وصارت في سهم ثابت بن قيس. فاستغاثت بالنبي فتزوجها استنقاذًا لها وتأليفًا لبني قومها، حتى إن بني المصطلق أسلموا في إثر ذلك. وكذلك الأمر بالنسبة إلى زواجه من ميمونة بنت الحارث الهلالية، فقد أدى ذلك إلى إسلام خالد بن الوليد، أو كان ذلك من بعض أسباب انضمام هذا القائد العظيم إلى النبي وإسلامه.

جـ- أو إنقاذًا لسبايا كن عاليات المكانة في قبائلهن، وهذا ينطبق على زواجه من ريحانة بنت زيد بن عمرو، فقد كانت متزوجة في بني النضير؛ فلما وقع السبي على بني قريظة سباها رسول الله وأعتقها وتزوجها؛ وعلى زواجه من صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران. ولما غزا النبي خيبر، سبىصفية؛ وعرض عليها أن يعتقها إن اختارت الله ورسوله. فاختارت الله ورسوله، وأسلمت، فأعتقها وتزوجها. كما ينطبق على زواجه من أم حبيبة بنت أبي سفيان. التي ارتد زوجها وتنصر في الحبشة، فتزوجها النبي جزاءً لها على ثباتها على إسلامها. فضلاً عن أن في ذلك معنى آخر وهو كون أبيها أبا سفيان وكان من أكبر زعماء قريش الذين حاربوا الرسول، وعادوه، فكان مقصودًا من هذا الزواج اكتساب أبي سفيان. وفي ذلك نزلت الآية الكريمة: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة:7].وقد ذكر ابن عباس أن هذه الآية نزلت حين تزوج النبي أم حبيبة بنت أبي سفيان([2]).

د- أو إشفاقًا على بعض النسوة ذوي المكانة بعد أن توفي عنهن أزواجهن؛ وهذا ينطبق على الزواج من سودة بنت زمعة، ومن أم سلمة، ومن ميمونة بنت الحارث الهلالية.

هـ- أو تخليصًا من وضع اجتماعي غير متكافىء، كما هي الحال بالنسبة إلى زواجه من زينب بنت جحش، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، أي عمة النبي. «وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة. وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على زيد بن حارثة. فقالت: يا رسول الله ! لا أرضاه لنفسي وأنا أيم قريش. قال: فإني قد رضيته لك. فتزوجها زيد بن حارثة»([3]).

تلك هي الدوافع الرئيسية لزواج النبي ممن تزوج بهن بعد وفاة زوجته الأولى خديجة التي ظل النبي متزوجًابها وحدها طوال خمس وعشرين سنة حتى توفيت.

وهذه الدوافع، كما رأينا، لا يندرج واحد منها في باب الشهوة الجنسية. ولهذا لا نستطيع أن نستنتج من كثرة زواج النبي أن ذلك كان لأسباب من الشهوة الجنسية بل ارتبطت هذه الدوافع ونبعت من صميم رسالته بوصفه نبيًا ومنشىء دولة في وقت معًا، وليس مجرد نبي يعتزل الناس ويسلك سبيل الوحدة والانفرادعن البشر، وإلا لما كان نبيًا رسولاً ومنشىء دولة.

ويلاحظ من ناحية أخرى أنه ليس ثم تعارض بين الزواج والزهد في الدنيا، والديانة الوحيدة التي تفرض على أتباعها العزوبة هي البوذية. ففي القاعدة الأولى منها – من بين قواعد الباتموكا، وعددها ۲۲۷قاعدة، الأربعة الأولى منها ملزمة قاطعة – نقرأ أن من اتخذ سبيل الرياضة فعليه أن يمتنع من كل اتصال جسدي بأي كائن حي، حتى لو كان حيوانًا؛ ومن يفعل ذلك يسقط ويخرج عن الجماعة. ويضيفون إلى ذلك توكيدات في هذا الصدد منها ألا ينام في مكان توجد فيه امرأة أو أن يسلك طريقًا بصحبة امرأة، أو أن يدعو إلىالمذهب امرأة إلا بكلمات قليلة، إلا إذا كان ثم رجل كبير السن حاضرًا، الخ.

وفي اليهودية كان يوصي بكثرة الزواج وكثرة النسل، وكان الكهنة يتزوجون العديد من الزوجات، والنبي داود تزوج أكثر من مائة زوجة، وكذلك فعل ابنه سليمان.

والمسيح في الأناجيل لا ينصح بالعزوبة لا لعامة الناس ولا للخاصة من أتباعه. بل نجد في إنجيلمتى (إصحاح۱۹، عبارات ٤وما يتلوها) ومرقس (إصحاح۱۰عبارة ۳وما يتلوها) أنالزواج نظام إلهي. وحينما يميز المسيح (لوقا: ۲۰: ۳٤-۳٦؛ مرقس ۱۲-۲٥؛ متى ۲۲:۳۰)بين «أبناء القيامة» وبين «أبناء الدنيا» ليس على أساس تفضيل العزوبة على الزواج بل يحدد فقط أحوال الطائفتين. وبشهود المسيح لعرس قانا وإتيانه هناك بأول معجزاته، دليل على تقدير المسيح للزواج (إنجيليوحنا الإصحاحالثاني، العبارات۱-۱۱). ثم إن كثيرًا من الحواريين كانوا متزوجين (إنجيلمتى الإصحاحالثامن عبارة ۱٤)، وعلى رأسهم القديس([4])بطرس رأس الحواريين؛ وكان لهم أولاد،

وكذلك كان الحواري فيليب، كما ذكر القديس كليمانس السكندري. وبولس، إن آثر العزوبة لنفسه، فإنه فضل للأساقفة أن يكونا متزوجين. وأوصى الأسقف أن يكون رب أسرة، قد برهن في بيته على أنه قادر على أن يدير الكنيسة، قال بولس: «يجب أن يكون الأسقف خاليًا من العيوب وأن يكون زوجًا لامرأة واحدة... وليحكم أسرته جيدًا، معلمًا أولاده الطاعة وكل ألوان الأمانة؛ إذ لو كان المرء عاجزًا عن حكم أسرته، فأنى له أن يحكم كنيسة الله !» (الرسالة الأولى إلى طيموثاوس، الإصحاحالثالث، العبارات ۱ – ٥). ونعى على أولئك المجروحي الضمير المروجينللأكاذيب نفاقًا منهم ورياءً ممن «يحرمون الزواج» (نفس الرسالة، الإصحاحالرابع، عبارة ۳).

ومن الثابت قطعًاأن الكنيسة المسيحية، طوال القرون الثلاثة الأولى، لم تعتبر الزواج متنافيًا مع أية وظيفة دينية. والشاهد على هذا نموذج الحواريين المتزوجين والأساقفة والقسيسيين المتزوجين الذين أنجبوا أولادًا بعد رسامتهم بمدة طويلة. وأول مرة نعثر فيها على تحريم زواج هؤلاء بعد رسامتهم هو في قوانين الرسل، وهي قوانين من الثابت أن الذين وضعوها لم يكونوا الرسل(الحواريين) وإنما وضعت في وقت متأخر ليس سابقًا على مجمع نيقية (سنة ۳۲٥م) ولاحقًا على نهاية القرن الرابع الميلادي. إذ ورد في القانون رقم ۲٥أنه غير مسموح بالزواج بعد الرسامة (أي التعيين كهنة) إلا للقراء والمنشدين. والقانون الخامس مع ذلك يحدد أن الزواج السابق على الرسامة يظل صحيحًا بالنسبة إلى الأسقف والكاهن والشماس، ويستمر التعايش بين الواحد من هؤلاء وزوجته. ولما حاول أنصار العزوبة في مجمع نيقية سنة ۳۲٥أن يفرضوا على هؤلاء الامتناع من مباشرة زوجاتهم رفض اقتراحهم، بفضل معارضة أسقف مصري ورع هو بافنوتوس، أسقف الصعيد الأعلى، وكان هو مع ذلك أعزب. ولعن مجمع جانجر (۳٦۰ م - ۳۷۲ م) أولئك الذين ادعوا أن الزواج يتنافى مع القداسة.

وإذا كانت الكنيسة قد اتجهت بعد ذلك في اتجاه تحريم الزواج على هؤلاء، فقد كان ذلك بتأثير مذهب الغنوص الذي اختلطت فيه العناصر الفيثاغورية والأفلاطونية التي تدعو إلى العفة. إن الغنوص يرى أن الهيولي (= المادة) شر، وأن الخلاص إنما يكون بالتخلص من علائق المادة. وبناء على هذا رأوا أن الزواج شر.فقال ساتورينوس وباسليوس([5])«إن الزواج والنسل من عند الشيطان». فقال تاتياس (يوسابيوس: «التاريخ الكنسي» جـ ٤:۲۹:۳) إن «الزواج فساد وزنا». ويضاف إلى تأثير مذهب الغنوص تأثير ديانة إيزيس وعبادة مترا اللتينانتشرتا في الأمبراطورية الرومانية وكان لهما تأثير هائل في القرنين الأول والثاني للميلاد. وكلتا العبادتين تمجد العزوبة عند الكهنة فتأثرت بهما المسيحية في تلك الفترة، فكان أن تأكد الاتجاه نحو تفضيل العزوبة وتوكيد أنها أفضل في التقوى وحياة الورع.

وهكذا نرى أن اليهودية والمسيحية في اتجاههما الأصيل لم يجد تنافيًا بين الزواج وبين حياة التقوى والقداسة.

ولهذا نرى أنه لا محل لدعوى من يدعون أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم يتنافى معالزهادة.

ومن هنا سنجد الصوفية المسلمين لا يرون تنافيًا أبدًابين سلوك طريق التصوف وبين الزواج. وسنجد كثيرًا من شيوخهم الكبار في القرون الستة الأولى للهجرة متأهلين. ولن تثار مشكلة التفضيل بين التأهل (الزواج) والتجرد (العزوبة) في كتب الصوفية إلا في عصر متأخر.

والخلاصة إذن أن حياة النبي –صلى الله عليه وسلم- كانت حياة زهد وإعراض عن الدنيا، ولم يكن فيها ما يتنافى مع شروط الحياة الصوفية.

ولهذا وجد الصوفية المسلمون فيها بلا شك نموذج الحياة الصوفية، وكان الاقتداء بسلوك النبي، فضلاً عن أقواله ووصاياه، هدفًا للصوفي السالك الطريق إلى الحق.

 

المرجع : أ/د عبد الرحمن بدوى ، تاريخ التصوف الإسلامي- من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الكويت : وكالة المطبوعات ، (ص 107 - 126) .

 


([1])    راجع ‹‹طبقات›› ابن سعد، جـ ۸ص ۲۱٦-۲۲۰، بيروت سنة  ۱۹٥۸.

([2])    ‹‹طبقات›› ابن سعد جـ ۸ص ۹۹، بيروت سنة ۱۹٥۸.

([3])    الكتاب نفسه جـ ۸ص ۱۰۱بيروت سنة ۱۹٥۸.

([4])    St. Clement d’Alexandrie (m. vers 220): Les Stromates, III, chap. VI.

([5])    راجع: Irenaeus: adv. Haer.۱: ۲٤.


التقييم الحالي
بناء على 8 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث