نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفى – مصدره الإسلامي من حياة الصحابة خاصة الخلفاء الراشدين


كانت حياة الصحابة وأقوالهم –أيضًا- منبعًا استقى منه الصوفية؛ لأن حياتهم وأقوالهم حافلة بالشيء الكثير من الزهد، والورع، والتقشف، والإقبال على الله. ولا يستطيع باحث منصف في تاريخ التصوف الإسلامي أن يغفل ما انطوت عليه حياة الصحابة وأقوالهم من المنازع الروحية، والأذواق القلبية، وذلك حينما يريد التعرف على الأسس التي قامت عليها حياة الصوفية الروحية.

لقد كان الصحابة في الحقيقة مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأحواله، وقد امتدحهم القرآن في قوله تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}[التوبة:100].

وأشار الرسول صلى الله عليه وسلمإلى علو منزلتهم فقال: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم».

ومن هنا نظر الصوفية إلى الصحابة على أنهم قدوة في جميع معانيهم الظاهرة والباطنة على حد تعبير الطوسي في كتابه (اللمع)، ونحن لن نستطيع هنا أن نذكر كل ما رُوِيَ عن صحابة الرسولصلى الله عليه وسلممن الأقوال والأحوال التي جعلها الصوفية مصدرًا لهم في حياتهم الروحية، وحسبنا أن نشير إلى بعض ذلك مما له دلالة على ما نحن بصدده:

فمما رُوِيَ عن أحوال الصحابة إجمالًا قول أبي عتبة الخلواني: «ألا أخبركم عن حال كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أولها: لقاء الله تعالى كان أحب إليهم من الحياة. والثانية: كانوا لا يخافون عدوًّا، قلوا أم كثروا. والثالثة: لم يكونوا يخافون عوزًا من الدنيا، وكانوا واثقين برزق الله تعالى».

أما عن الخلفاء الراشدين الأربعة : فقد كان سيدنا أبو بكر الصديق زاهدًا حتى ليُرْوَى عنه أنه كان يطوى ستة أيام، ولا يزيد على ثوب واحد، وكان يقول: «إذا دخل العبد العجب بشيء من زينة الدنيا، مقته الله حتى يفارق تلك الزينة».

وتحدث عن التقوى، واليقين، والتواضع فقال: «وجدنا الكرم في التقوى، والغناء في اليقين، والشرف في التواضع». وتحدث عن المعرفة فقال: «من ذاق من خالص المعرفة شيئًا، شغله ذلك عما سوى الله، واستوحش من جميع البشر». وحكى عنه الجنيد -أحد كبار الصوفية- قال: أشرف كلمة في التوحيد قولة أبي بكر:«سبحان من لم يجعل للخلق طريقًا إلى معرفته إلا العجز عن معرفته».

وقد ذكر المحب الطبري فى كتابه (الرياض النضرة في المناقب العشرة)روايات كثيرة عن تعبده، وأدعيته، وبره، وزهده، ورضاه، وخوفه، وورعه، وتواضعه، وحلمه، وغير ذلك مما جعله الصوفية فيما بعد أساسًا لكلامهم في هذه المعاني.

وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه صافي النفس طاهر القلب، حتى لقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلممخبرًا عن ربه: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ». وكان عمر متقشفًا حتى ليُرْوَى عنه أنه كان يخطب وهو خليفة وعليه قميص فيه اثنا عشرة رقعة.

وتكلم سيدنا عمر رضى الله عنه في معنى الرضا والصبر فقال في كتاب وجهه إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر». وكان آية في التواضع حتى لقد رُوِيَ عنه قوله: «رحم الله امرأ أهدى إليَّ عيوبي».

وقد ذكر الطوسي عن اقتداء الصوفية بعمر ما نصه: «ولأهل الحقائق أسوة وتعلق بعمر بمعاني خص بها... من اختياره لبس المرقعة، والخشونة، وترك الشهوات، واجتناب الشبهات، وإظهار الكرامات، وقلة المبالاة من لائمة الخلق عند قيام الحق، ومحق الباطل، ومساواة الأقارب والأباعد في الحقوق، والتمسك بالأشد من الطاعات».

وقال طلحة بن عبد الله: «ما كان عمر بأولنا إسلامًا، ولا أقدمنا هجرة، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا، وأرغبنا في الآخرة».

ويرى الصوفية في ظهور خوارق العادات من المكاشفات والكرامات على يد عمر أنه قد بلغ أعلى درجة من درجات الصديقين، ودلائل ذلك كما يقولون ظهرت عليه لما كان يخطب فصاح في وسط خطبته: «يا سارية، الجبل». وسارية في عسكر على باب نهاوند، فسمع صوت عمر عندئذ وأخذ نحو الجبل، وظفر بالعدو. وقيل لسارية: كيف علمت ذلك؟ فقال: سمعت صوت عمر يقول: يا سارية، الجبل».

أما سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه فكان قدوة –أيضًا- لأهل التصوف في أمور كثيرة، ففي مجاهدته لنفسه يُرْوَى عنه أنه حمل حزمة حطب من بعض بساتينه، وكان له عدة مماليك، فقيل له: لو دفعتها إلى بعض عبيدك. فقال: «إني قد استطعت أن أفعل ذلك». فدل ذلك على أنه كان لا يدع مجاهدة نفسه، فلا يسكن إلى ما جمع من الأموال، لأنه ليس في ذلك كغيره.

ويُرْوَى عن زهده -مع كثرة ماله- أن الإنفاق كان أحب إليه من الإمساك. فهو قد جهز جيش العسرة، واشترى بئر رومة من يهودي كان يمنع المسلمين عنها، حتى قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا». وقد بين عثمان أن للمال عنده وظيفة اجتماعية، فقال: «لولا أني خشيت أن يكون في الإسلام ثلمة (ثغرة) أسدها بهذا المال ما جمعته».

ورُوِيَ عنه كثرة تعبده وكثرة تلاوته للقرآن، وكان يقول: «هذا –أي: القرآن- كتاب ربي، ولابد للعبد إذا جاءه كتاب سيده أن ينظر فيه كل يوم ليعمل بما فيه».

وقد ذكر المحب الطبري شيئًا كثيرًا من أخلاقه، كالحياء، والجود، والزهد، والخوف، والورع، والتواضع، والشفقة، وحسن صحبة الناس، وغير ذلك. 

وقد قتل عثمان رضى الله عنه وهو يقرأ القرآن، وقد فلسف صوفية الإسلام حادث مقتله هذا فلسفة خاصة، فيقول الطوسي في (اللمع): «ومما يدل على تخصيصه –أي: عثمان- بالتمكين والثبات والاستقامة، ما رُوِيَ عنه أنه يوم قتل لم يبرح من موضعه، ولم يأذن لأحد بالقتال، ولا وضع المصحف من حجره إلى أن قتل ، وسال الدم على المصحف، وتلطخ بالدم، ووقع الدم على موضع هذه الآية:{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ}[البقرة:137].

والتمكين حال رفيع. سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: سمعت الجنيد -رحمه الله- ليلة من الليالي، وهو يقول في مناجاته: إلهي أتريد أن تخدعني عنك بقربك، أم تريد أن تقطعني عنك بوصلك، هيهات هيهات! قلت لأبي عمرو: ما معنى قوله:هيهات هيهات! قال: التمكين».

ويقول القشيري في رسالته عن معنى التمكين: «التمكين صفة أهل الحقائق، فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين؛ لأنه يرتقي من حال إلى حال، وينتقل من وصف إلى وصف، فإذا وصل تمكن».

وهكذا رأى الصوفية أن سيدنا عثمان بن عفان كان متحققًا بالوصول إلى الله، وبمقام التمكين الذي جعله ثابتًا لمجاري الأقدار لا يزعزعه شيء مما حوله.

وقد رُوِيَ عن سيدنا عثمان أقوال لها دلالة صوفية، منها قوله: «وجدت الخير مجموعًا في أربعة: أولها: التحبب إلى الله تعالى. والثاني: الصبر على أحكام الله تعالى. والثالث: الرضا بتقدير الله -عز وجل-. والرابع: الحياء من نظر الله -عز وجل-». فكأنه يتحدث هنا عن مقامات أربعة من مقامات السلوك، وهي: المحبة، والصبر، والرضا، والحياء من الله.

وأما سيدنا علي بن أبي طالب فله –أيضًا- عند الصوفية منزلة خاصة رفيعة، فقد قال عنه أبو علي الروذباري، أحد كبار أوائل الصوفية: «ذاك امرؤ أعطي العلم اللَّدُنِّي. أي: العلم الذي هو من لدن الله، أي: من عند الله». والعلم اللَّدُنِّي هو العلم الذي خص به الخضر -عليه السلام-. قال الله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}[الكهف:65]. ويقول الطوسي في (اللمع): «ولأمير المؤمنين علي خصوصية من بين جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمبمعاني جليلة، وإشارات لطيفة، وألفاظ مفردة، وعبارة وبيان للتوحيد، والمعرفة، والإيمان، والعلم، وغير ذلك، وخصال شريفة، تعلق وتخلق به أهل الحقائق من الصوفية».

وكان سيدنا علي رضى الله عنه مثلًا بارزًا في الزهد والتقشف والدعوة إليهما، فقال لعمر بن الخطاب: «إذا أردت أن تلقى صاحبك، فرقع قميصك، واخصف نعلك، وقصر أملك، وكُلْ دون الشبع».

وقد قال عنه ابن عيينة: إنه كان أزهد الصحابة. وشهد له الإمام الشافعي بأنه كان عظيمًا في الزهد.

وقد صور الإمام علي حال مجاهدته لنفسه قائلًا: «ما أنا ونفسي إلا كَرَاعِيَ غنم، كلما ضمها من جانب، انتشرت من جانب».

وسأل رجل عليًّا عن معنى الإيمان فقال له: «الإيمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد». ثم شرع يصف كل مقام من هذه المقامات على عشر، وهنا يعلق الطوسي قائلًا: «إذا صح ذلك، فهو أول من تكلم في الأحوال والمقامات».

ويقول الطوسي -أيضًا: «ولعلي أشباه ذلك كثير من الأحوال، والأخلاق، والأفعال التي يتعلق بها أرباب القلوب، وأهل الإشارات، وأهل المواجيد الصوفية».

ونحن لا نجد بذور الحياة الروحية الإسلامية مغروسة في قلب النبي صلى الله عليه وسلموصحابته من الخلفاء الأربعة فحسب، وإنما نجدها –أيضًا- في قلوب صحابته من غير الخلفاء. فأهل الصفة من الصحابة مثلًا كان لهم أثر قوي في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية، حتى أن البعض يذهب إلى أن اسم التصوف مشتق من اسمهم. وقد كان (أهل الصفة) جماعة من فقراء المهاجرين والأنصار، لم يكن لهم أهل ولا مال، فَبُنِيَتْ لهم صُفَّةٌ في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم-(الصُّفَّةُ: مؤخرة المسجد- انقطعوا فيها إلى الله، وعكفوا على العبادة ورياضة النفس، والتجرد عن أغراض الدنيا. وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}[الكهف:28].

ولأهل الصفة حديث خاص بهم ، (@راجع: #الطريق الصوفى – مصدره الإسلامى من حياة أهل الصفة وبعض الصحابة رضى الله عنهم @)

المرجع - أ/د أبوالوفا الغنيمي التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، القاهرة: مكتبة الثقافة للطباعة والنشر، ط 2، 1976م، (ص 58- 64).

 


التقييم الحالي
بناء على 29 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث