نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفى - علاقته بالفقه وعلم الكلام

تبين لنا فى موضوع (@الطريق الصوفى وأساسه الأخلاقى@) أن التصوف في الإسلام -كعلم ديني- يختص بجانب الأخلاق والسلوك، وهو روح الإسلام.

ومن المسلم به: أن الطريق الصوفى نشأ معبِّرًا عن المَثَل الديني الأعلى، ومخالفًا لأهل الفرق الأخرى في اتجاهاتهم، وإن لم يجهل علومهم ومناهجهم، لكنه كذلك تعرض لعداوتهم واضطهادهم، ومع هذا التزم أصحابه الحبَّ والتسامح؛ لأن الصوفي لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء([1]).

والتصوف باعتباره علمًا دينيًّا، يختص بجانب الأخلاق والسلوك، وهذا هو روح الإسلام وزُبدة العمل به، على أن التمييز بينه وبين علم الكلام (الباحث في العقائد)، وعلم الفقه (الباحث في الأحكام الفرعية العملية) تمييز اعتباري فقط وليس حقيقيًّا. فالأصل في الشريعة أنها واحدة، فعلم الفقه يستند إلى علم الكلام استناد الفرع إلى الأصل، وعلم التصوف يستند إلى علمي الكلام والفقه، ولا يجوز للصوفي الجهل بالأحكام الفقهية والعَقَدية، كما لا يجوز له أيضًا الجهل بالكتاب والسنة، فلابد للصوفي من علم كامل بالكتاب والسنة؛ ولذلك يقول الشعراني في طبقاته: «وهو -أي علم التصوف- علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، والتصوف إنما هو زبدة علم العبد بأحكام الشريعة».

وانفصال هذه العلومالثلاثة بعضها عن البعض الآخر -وأعني بها الكلام والفقه- أمر ظهر في الإسلام في وقت متأخر -منذ القرن الثالث الهجري وما بعده- نتيجة التخصص العلمي الدقيق. فسار كل علم في مساره الخاص على قواعد ومناهج خاصة. وتميز عن غيره بموضوعه، ومنهجه، وغايته.

أما قبل ذلك فكان اسم (الفقه) يطلق ليس – فقط - على العَمَلِيَّات من الشرع، وإنما – أيضًا - على الاعتقاديات والأخلاق.

يدلنا على ذلك ما ورد في كتاب (أبجد العلوم): (علم الفقه) قال في كشاف اصطلاحات الفنون: علم الفقه ويسمى هو وعلم أصول الفقه بعلم الدراية –أيضًا- على ما في (مجمع السلوك)، وهو: معرفة النفس ما لها وما عليها. هكذا نقل عن أبي حنيفة. ثم ما لها وما عليها يتناول: (الاعتقاديات)، كوجوب الإيمان ونحوه، و(الوجدانيات)، أي الأخلاق الباطنة والملكات النفسانية، و(العمليات)، كالصوم والصلاة والبيع ونحوها. فالأول: علم الكلام. والثاني: علم الأخلاق والتصوف. والثالث: هو الفقه المصطلح. وذكر الغزالي أن الناس تصرفوا في اسم الفقه فخصوه بعلم الفتاوىوالوقوف على دلائلها وعللها. واسم الفقه في العصر الأول كان مطلقًا على علم الآخرة، ومعرفة دقائق النفوس، والاطلاع على الآخرة، وحقارة الدنيا.  

ومما تجب معرفته هنا: أن التفقه في الأحوال والمقامات، ليس هو بأقلَّ فائدة من التفقه في الأحكام الفقهية مثل: الطلاق، والقصاص، والظهار، وغير ذلك.

ذلك أن تلك الأحكام، ربما لا تقع في عمر الإنسان مرة واحدة؛ حتى يحتاج إلى علم أصولها، وعلى فرض وقوع الحادثة فلا ضير هنا من الأخذ بقول الفقهاء؛ فيسقط الفرض بذلك عن صاحب الحادثة.

وفي هذا يقول الطوسي موضحًا الفارق بين هذه الأحكام وبين الحال والمقام الصوفيين: «هذه الأحوال والمقامات والمجاهدات التي يتفقه فيها الصوفية، ويتكلمون في حقائقها؛ فالمؤمنون مفتقرون إلى ذلك، ومعرفة ذلك واجبة، وليس لذلك وقت مخصوص دون وقت، وذلك مثل الصدق والإخلاص والذكر ومجانبة الغفلة وغير ذلك، ليس لها وقت معلوم»([2]).

وعلى هذا، فإن من واجب العبد في كل لحظة وخطرة، أن يعلم ما قصده وإرادته وخاطره، فإن كان حقًّا من الحقوق؛ وجب عليه من يلزمه، وإن كان حظًّا من الحظوظ؛ وجب عليه أن يجانبه، وهذا كما تشير إليه الآية الكريمة في قول المولى عز وجل لنبيه وصفيه ×: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:28].

وعليه فإن من ترك حالًا من هذه الأحوال؛ يكون تركه لها نابعًا من غلبة الغفلة على قلبه.

ومن المقرر لدى الصوفية: أن مستنبطاتهم في معاني هذه العلوم ومعرفة دقائقها وحقائقها، يجب أن تكون أكثر من مستنبطات الفقهاء في معاني أحكام الظاهر.

وإذا كان من شأن علوم الفقهاء وغيرهم أن تكون محدودة؛ فإن علم التصوف موغل وغير محدود؛ لأنه كما يقول الطوسي: «إشارات وبوادٍ وخواطر وعطايا وهبات، يغرفها أهلها من بحر العطاء، وسائر العلوم لها حد محدود، وجميع العلوم يؤدي إلى علم التصوف، وعلم التصوف لا يؤدي إلا إلى نوع من علم التصوف، وليس له نهاية، لأن المقصود ليس له غاية، وهو علم الفتوح، يفتح الله تعالى (به) على قلوب أوليائه في فهم كلامه»([3]).

وفي القرآن الكريم إشارة إلى ذلك، كما في قول المولى جل شأنه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:109].

وكما في قوله عز من قائل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم﴾ [إبراهيم:7]، والزيادة من الله تعالى لا نهاية لها.

والخلاصة: أن الصوفية لا يقرون لأنفسهم الجهل بالفقه؛ بل هم فقهاء وزيادة، أي إنهم يتفقهون في أمور الدين الخلقية التي لا يتطرق إليها فقهاء الأحكام الشرعية.

ولمزيد من التوسع حول علاقة الطريق الصوفى بالفقه (راجع: @ الطريق الصوفى – التمييز بين التصوف والفقه على أساس منهجى@).

 

المراجع : - أ/د أبوالوفا الغنيمي التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، القاهرة: مكتبة الثقافة للطباعة والنشر، ط 2، 1976م، (ص20- 21).

- أ/د عبد اللطيف محمد العبد، التصوف في الإسلام وأهم الاعتراضات الواردة عليه، القاهرة: توزيع العبد سنتر، ط3، 1421هـ- 2000م، (ص 24-28).

 

 


([1])    ماسينيون ومصطفى عبد الرازق: الإسلام والتصوف، ص48.

([2])    نفس المكان.

([3])    نفس المصدر: ص37.


التقييم الحالي
بناء على 14 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث