نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفى – بين الجهاد والرهابنية

يتعلق بباب الهجوم على التصوف والصوفية ما يذكره بعض المؤلفين تأييدًا لما يذهبون إليه – من أحاديث ينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم حاصلها أن النبي ذم الرهبانية، أو سلوك الرهبانية في الإسلام ، مثل حديث :  «إني لم أؤمر بالرهبانية» ، وحديث «إن الرهبانية لم تكتب علينا» ، وحديث «وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام»، وثم حديث نال شهرة واسعة، وهو : «لا رهبانية في الإسلام».

ولفهم سائر الأحاديث التي أوردناها ينبغي أن نفسرها في ضوء ما ورد في القرآن عن الرهبان والرهبانية. فماذا نجد فيه؟ سنورد الآيات التي تعرضت لذلك:

۱- ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة:82].

۲- ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:27].

۳- ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:31].

٤- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:34-35].

قال الرازي - وهو خير المفسرين تعرضًا للآيات المشكلة - في تفسير معنى الرهبانية في هذه الآية: «الرهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف: فعلان، من: رهب، كخشيان من خشي. وقرئ: «ورهبانية» بالضم، كأنها نسبة إلى الرهبان، وهو جمع: راهب، كراكب وركبان.

والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، متحملين كلفًا زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم: من الخلوة، واللباس الخشن، والاعتزال عن النساء، والتعبد في الغيران والكهوف...

ولم يعن الله تعالى «بابتدعوها» طريقة الذم، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها، ولذلك قال تعالى بعده: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:27]...أي لم نفرضها نحن عليهم. أما قوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ﴾[الحديد:27].ففيه قولان:

(أحدهما) أنه استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتعدوها ابتغاء رضوان الله.

(الثاني) أنه استثناء متصل، والمعنى: أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة الله تعالى. والمراد أنها ليست واجبة، فإن المقصود من فعل الواجب دفع العقاب وتحصيل رضا الله. أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب، بل المقصود منه ليس إلا تحصيل مرضاة الله تعالى.

أما قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ﴾[الحديد:27]- ففيه أقوال:

(أحدها) أن هؤلاء الذين ابتعدوا هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها، بل ضموا إليها التثليث والاتحاد وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا عليه الصلاة والسلام فآمنوا به؛ فهو قوله: ﴿فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الحديد:27].

-(وثانيها) أنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى. ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال، لكن لا لهذا الوجه بل لوجه آخر وهو طلب الدنيا والرياء والسمعة.

- (وثالثها) أنا لما كتبناها عليهم تركوها، فيكون ذلك ذمًّا لهم من حيث إنهم تركوا الواجب.

- (ورابعها) أن الذين لم يراعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمدًا عليه الصلاة والسلام ولم يؤمنوا به.

والواضح من أقوال المفسرين كالرازي كما سبق وغيره كأبي حيان والطبري أن الرهبانية المسيحية:

أ) سلوك حميد أحدثه بعض أتباع المسيح، وقد أحدثوه ابتغاء رضوان الله.

ب) أن بعض الذين اصطنعوا الرهبانية، أي بعض الرهبان، لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها، فانحرفوا بها عن طريقها الصحيح.

جـ) أن الابتداع هنا بمعنى الإحداث والإنشاء، ولا ينطوي على أي معنى من معاني الذم التي ستقترن فيما بعد بكلمة «بدعة» «ومبتدع» .

وهنا نلاحظ أن كلمة بدع ومشتقاتهالم ترد في القرآن أبدًا بمعنى مذموم. وقد وردت في آية واحدة هي: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾[الأحقاف:9].

والمعنى: ما كنت أول رسل الله التي أرسلها إلى خلقه. قد كان من قبلي له رسل كثيرة أرسلت إلى أمم قبلكم. يقال منه: هو بدع في هذا الأمر، وبديع فيه، إذا كان فيه أول.

وليس إذن في كلمة بدع وابتدع أي معنى من معاني الذم أينما وردت في القرآن.

وفي حديث عمر بن الخطاب في قيام رمضان: «نعمت البدعة هذه» ما يدل على أن كلمة بدعة إذا أطلقت لا تدل على ذم. وفي هذا يقول ابن الأثير في «النهاية»: «قول عمر رضى الله عنه: «نعمت البدعة هذه» -لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها».

ومن هنا يفرق بين نوعين من البدعة: «بدعة هدى، وبدعة ضلال: فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار؛ وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله أو رسوله فهو في حيز المدح».

فالبدعة لا تكون مذمومة على إطلاقها، بل إذا خالفت أمر الله ورسوله. ومن هنا الأحاديث في هذا المعنى، مثل: «تمسك بسنة خير من إحداث بدعة» (أحمد بن حنبل جـ٤ص105)؛«فإما إلى سنة وإما إلى بدعة» (أحمد بن حنبل جـ2 ص 158)؛«القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة» (الدارمي المقدمة 23)؛«يطفئون السنة ويحدثون بدعة» (ابن حنبل جـ۱ص400).

والخلاصة إذن أن الرهبانية المذكورة في الآية ۲۷من سورة الحديد قد مدحها القرآن ولم يذم إلا من لم يرعوها حق رعايتها.

ومن هنا نرى استعمال صفة أو لقب راهب لقبًا على من اشتهر بشدة التقوى. فأويس القرني التابعى الكبير كان يطلق عليه لقب: «راهب الأمة(1)»؛ والمردار، أحد كبار شيوخ المعتزلة، كان يسمى «راهب المعتزلة»، وأبو بكر المخزومي (المتوفى سنة 94هـ) كان يلقب بـ«راهب قريش»، والدارمي (المتوفى سنة 243)كان يلقب بـ«راهب الكوفة»، الخ.

ويتأيد معنى الرهبانية الممدوح هذا بما ورد في الآية 82من سورة المائدة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة:82]. والمدح للرهبان هنا ظاهر واضح؛ فلوجود رهبان بين النصارى فإن النصارى أقرب مودة إلى المؤمنين من اليهود.

وإنما ذم القرآن أمرين:

أولهما :اتخاذ الرهبان أربابًا من دون الله (التوبة ، ۳۱) ، أي : عبادة القديسين .

ثانيهما : ذم الرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل له، ويكنزون الذهب والفضة. وهذا الذم لا يقتصر على الرهبان، بل يشمل كل من يرتكب هذه الآثام.

أما قوله صلى الله عليه وسلم «لا رهبانية في الإسلام» فمعنى هذا أن الجهاد في سبيل الله أفضل من الترهب، وأنه الفضيلة العظمى في الإسلام. وليس في هذا ذم لسلوك مسلك الرهبانية، بل الأمر أمر تفضيل الجهاد على الانقطاع والخلوة والزهد.

وهذا ربما يفسر كون الصوفية المسلمين قد جمعوا بين حياة الزهد وبين الجهاد، وذلك بالمرابطة فى الأربطة التى كانت منتشرة فى ثغور الإسلام، فالمرابط يجمع بين الراهب والمجاهد.

ومن أوائل الصوفية الذين تعرضوا لآية سورة الحديد الخاصة بالرهبانية الحارث المحاسبي في كتاب «الرعاية» فقال:

«ولقد ذم الله –جل وعز- قومًا من بني إسرائيل ابتدعوا رهبانية لم يؤمروا بها فلم يرعوها حق رعايتها. فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾[الحديد:27]. وقد اختلف في هذا الحرف، فقال مجاهد: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله عليهم ، أي كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله. وقال أبو أمامة وغيره: ما كتبناها عليهم، أي لم نكتبها عليهم، ولم يبتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله. فعابهم الله –عز وجل- بتركها. وهذا أولى التفسيرين بالحق إن شاء الله. وعليه أكثر الأمة، فقال الله عز وجل: فما رعوها حق رعايتها. فذمهم الله تعالى بترك رعاية ما لم يفترض ولم يوجب عليهم؛ فكيف بمن ضيع رعاية حقوقه الواجبة التي أوجب في تضييعها غضبه وعقابه، وجعل القيام بها مفتاحًا لكل خير في الدنيا والآخرة وهي التقوى».

المرجع : أ/د عبد الرحمن بدوى ، تاريخ التصوف الإسلامي- من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الكويت : وكالة المطبوعات ، (ص 96 - 106) .

 


(1)    راجع الحاكم النيسابوري: ‹‹المستدرك›› جـ ۳ص ٤۰۲: ‹‹أوليس راهب هذه الأمة››. حيدر أياد، سنة ۱۳٤۱ه.


التقييم الحالي
بناء على 4 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث