نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفى - الذكر

إذا كانت الخرقة من خصائص الطريق الصوفى ومميزاتها الظاهرة فإن الذكر أيضًا من أهم تلك الخصائص والمميزات. (راجع :  الطريق الصوفى - خصائصه العامة)

وآيات القرآن الكريم تبين في إشراق تام فضل الذكر، يقول العلي القادر في كتابه العزيز ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾([1])ويقول ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾([2])ويقول ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا =٤١-وَسَبِّحُوهُبُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾([3])ويقول ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾([4]).

وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة»([5]).

وأخرج الحاكم عن البراء مرفوعا: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات فهو كعتق نسمة»([6]).

وأخرج ابن جرير في تفسيره عن قتادة قال: «افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضراب بالسيوف فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الأنفال: 45]([7]).

سند الصوفية في تلقين ذكر الله تعالى:

أخرج الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي بعدة أسانيد أن الإمام علي كرم الله وجهه قال: سألت رسول الله ×، فقلت يا رسول الله دلني على أقرب الطرق إلى الله عز وجل وأسهلها على العباد، وأفضلها عند الله تعالى؟ فقال رسول الله ×: «يا علي عليك بمداومة ذكر الله تعالى سرًا وجهرًا» فقال علي ت: كل الناس ذاكرون، وإنما أريدك أن تخصني بشيء؟ فقال رسول الله ×: «يا علي: أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي (لا إله إلا الله) ولو أن السموات السبع والأرضين السبع وضعن في كفة و(لا إله إلا الله) في كفة لرجحت» . ثم قال رسول الله ×: «يا علي لا تقوم الساعة، وعلى وجه الأرض من يقول (لا إله إلا الله) » فقال علي: كيف أذكر يا رسول الله؟ فقال رسول الله ×: «غمض عينيك واسمع مني (لا إله إلا الله) ثلاث مرات، ثم قل أنت (لا إله إلا الله) ثلاث مرات وأنا أسمع. فقال×: لا إله إلا الله ثلاث مرات مغمضا عينيه، رافعًا صوته وعلي يسمع. ثم قال علي ت([8])».

وقال شداد بن أوس كنا عند النبي ×. فقال النبي ׫هل فيكم غريب. يعني من أهل الكتاب، قلنا: لا، يارسول الله فأمر بغلق الباب، وقال ارفعوا أيديكم، وقولوا لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا وقلنا: لا إله إلا الله، ثم قال: الحمد لله، اللهم إنك بعثتنى بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، إنك لا تخلف الميعاد. ثم قال ×: ألا أبشروا فإن الله قد غفر لكم»([9]).

وعلى ذلك فقد اعتمد سند تلقين الصوفية لمريدهم على سند تلقين الرسول ×لأصحابه (لا إله إلا الله) جماعة وفرادى.

فوائد الذكر:

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن فوائد الذكر نستطيع أن نقول مع الإمام القشيري ذكر الله بالقلب سيف المريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تقصدهم، وأن البلاء إذا نزل بالعبد فإذا فزع بقلبه إلى الله يحيد عنه في الحال كل ما يكرهه، وقال ذو النون المصري: من ذكر الله تعالى ذكرا على الحقيقة نسى في جنب ذكره كل شيء وحفظ الله تعالى عليه كل شيء وكان له عوضًا من كل شيء([10]).

ويقول الشعراني : (أجمعوا – يقصد أهل الطريق - على أن الذكر إذا تمكن من القلب صار الشيطان يُصرع إذا دنا من الذاكر كما يُصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما باله . فيقال: أنه دنا من ذاكر فصرع)([11]).

والذكر من أهم الوسائل إلى الوصول إلى الله تعالى. يقول القشيري في رسالته: الذكر ركن قوي في طريق الوصول إلى الحق سبحانه وتعالى. بل هو العمدة في طريق القوم ولا يصل أحد إلى الله إلا بدوام الذكر([12]).

ويقول الفخر الرازي : (فائدة الذكر إزالة الظلمة البشرية؛ فحضرة الربوبية منبع الأنوار، فلا جرم كان الاشتغال بحضرة ذي الجلال يفيد وصول أنوار الربوبية إلى باطن القلب فتزول به ظلمات البشرية عن القلب والروح)([13]).

ويعبر التستري عن خلاصة رأيه فى الذكر بأنه (العلم بأن الله يراك فتشاهده قريبًا منك ومن قلبك، وتفضله على نفسك وعلى جميع أحوالك)([14]).

ويتحدث التستري عن ثلاثة أنواع من الذكر:

النوع الأول: ذكر باللسان.

والثاني: ذكر بالقلب.

أما النوع الثالث: فهو ذكر الخاصة وهو الذكر الموصول. والنوعان الأولان يدخلان في نظر التستري في دائرة (المقطوع) ، والثالث وحده هو المباشر الموصول الذي لا يقدر عليه إلا النخبة الممتازة في الحياة الروحية ، فهذا النوع الخاص من الذكر هو واجب «كلية القلب» بوقوفه مستسلمًا في حضرة الله الدائمة([15]).

وذكر الله دائمًا ذكرًا حقيقيا يجعل الذاكر يستغرق بكليته في الله «إذا ذكر الصوفي الله استغرق فيه بكليته وحضر مع الله بجمعيته فلم يشتغل بما سواه ولم يغفل عنه حتى يستولى جلال الله على قلبه بعد أن غاب الذاكر في ذكره. حينئذ ينكشف له بصحة وبال الغفلة ويمحي من قلبه أثر كل علاقة وعلة لأن تعلق القلب بالله يجعله فارغًا عن كل ما سواه. فالذكر وسيلة لتخلية القلب عن كل هم أو بالتعبير الفلسفي وسيلة لانفصال الذات عن كل موضوع خارجي أو عن التعلق برغبة ما([16]).

وللذكر جانبان :

أولهما : «جانب سلبي يفرغ فيه القلب من كل هم» فما من زاد يتزود به السالك لمكابدة الأهواء ومجاهدة الشهوات مثل الذكر. وما من وسيلة لتطهير القلب من كل هم إلا بالذكر ، وذلك هو الجانب الخلقي فيه .

أما الجانب الآخر، حين لا يصبح للمريد إلا هم واحد هو الله، ذلك هو الجانب الروحي فيه، وهو الجانب الإيجابي([17]).

وإذا أردنا([18]) أن تكون صورة صحيحة عن التدرج الطبيعي للتطور السيكولوجي لظاهرة الذكر، وجدنا أنه يبدأ من القاعدة إلى القمة، ومن الظاهر إلى الباطن في نفس الوقت، من القاعدة إلى القمة بكبح النفس ونوازعها، ثم إزالة آثارها وترك القلب أو البصيرة أو الروح تحلق في الملأ الأعلى. ومن الظاهر إلى الباطن باختراق حجب القلب في كليته .

وهذه الحالة الروحانية العالية تقابل تمامًا ما يطلق عليه يونج اللاشعور المطلق أو Collective unconscious، ومعنى ذلك أنه يمكن أن نرى في الطور الناضج للذكر جانبي للفناء والبقاء أو الموت والحياة، موت الآثار الفردية الخاصة بالإرادة المعنية بالأنانية، وحياة الروح التي تعيش مباشرة مع الله ، أي أن هناك إخلاء لعناصر معينة، وإحلالا لأخرى مكانها حتى تعتاد النفس حياتها الروحية الرتيبة التي تنقلب بعد ذلك إلى مجرد تلق من مصدر أسمى، إذ أنه ليس بها ما يمثل هذا الفرد بعينه. بل فيها ما ينطق أو ما يصدر عن الله فقط. وعلى ذلك يمكننا أن نفهم عبارات صوفية تتحدث عن الذكر ويعرف ذلك لدى بعض صوفية القرن الثالث الهجري بـ «الغيبة بالمذكور عن الذكر».

أنواع الذكر:

للذكر عدة أنواع منه ما هو ثناء على الله مثل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ومنه ما هو دعاء مثل: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ومنه ما هو مناجاة مثل موقف المصلي في الصلاة فإن الصلاة مناجاة، ومنه ما هو للرعاية في الدنيا مثل: طلب حماية الله والنصر على الأعداء والشيطان، ومنه ما هو للرعاية الآخروية كطلب زيادة الدرجات([19]).

ويعتبر ابن عطاء الله السكندري الصلاة على النبي ×نوع من الذكر فيقول([20]) قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[الأحزاب: 56]ومن هنا فإنا نعتبر الصلاة على النبي ذكر وفي الحديث الشريف الصلاة على النبي نور([21]).

أحكام الذكر:

ينبغي إخراج كلمة لا إله إلا الله من مخارجها الصحيحة السليمة ونطقها نطقًا لغويا سليمًا فأخص وأدل أذكار الصوفية هي لفظ الجلالة (الله) و«لا إله إلا الله» وينبغي على المريد نطقها نطقًا سليمًا، فأحكام الذكر «تتلخص فيما نص عليه الذكر تتلخص فيما نص عليه الفقهاء وهي إخراج الكلمة وضبط نطقها اللغوي وهي موضع الصدق والعزيمة، ويلزم ذلك المتعلم والتشديد عليه.

وأما التخفيف وعدم مراعاته العزيمة مع إرادة وجه الله وموضع صدق النية والإخلاص بنهوض السر والاتجاه إلى الله وحده دون سواه فذلك رخصة للعوام، على قدر طاقتهم تيسيرًا عليهم، فالعزيمة للخواص والرخصة للعوام. لأننا إذا شددنا على العوام حرمناهم من فضل الذكر، وفي الحديث الشريف «يسروا ولا تعسروا»([22]).

آداب الذكر:

ذكر العارفون آدابا كثيرة للذكر أهمها وأولاها بالرعاية ما يلى من آداب([23]) :

1- الخشوع والتأدب، واستحضار معاني الصيغ، ومحاولة التأثر بها، وملاحظة مقاصدها وأغراضها.

2- خفض الصوت ما أمكن ذلك مع اليقظة التامة والهمة الكاملة حتى لا يشوش على غيره.

وقد أشارت الآية الكريمة إلى هذه الآداب فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾([24]).

3- موافقة الجماعة إن كان الذكر مع جماعة فلا يتقدم عليهم ولا يتأخر عنهم ولا يبنى على قراءتهم، بل إن حضر وقد بدأوا ابتدأ معهم من أول صيغة ثم قضى ما فاته بعد انتهائه، وإن تأخر عنهم في أثناء القراءة قرأ ما فاته وأدركهم، ولا يبني على قراءتهم أصلا، لئلا يكون بذلك قد حرف القراءة وغير الصيغ وذلك حرام اتفاقا.

4- النظافة في الثوب والمكان، ومراعاة أحكام الشريعة فى ذلك والأوقات المناسبة.

5- الانصراف في خشوع وأدب، مع اجتناب اللغط واللهو الذي يذهب بفائدة الذكر وأثره.

 

أما الإمام الشعراني فقد لخص في كتابه الأنوار القدسية آداب الذكر([25]) وقال : إن الأشياخ عددوا للذكر ألف أدب ثم قالوا: ويجمع هذه الآداب كلها عشرون أدبًا للذكر من لم يتحقق بها فبعيد عليه الفتح، خمسة منها سابقة على الذكر واثنا عشر حال الذكر، وثلاثة بعد الفراغ من الذكر.

فأما الخمسة السابقة :

فأولها: التوبة النصوح.

الثاني: الغسل أو الوضوء كلما أراد الذكر.

الثالث: السكون والسكوت ليحصل له الصدق في الذكر، وذلك أن يشغل قلبه بالله، الله، الله بالفكر دون اللفظ، حتى لا يبقى خاطر مع غير الله ، ثم يوافق اللسان القلب، بقول (لا إله إلا الله) يفعل ذلك كلما أراد الذكر.

الرابع: أن يستمد عند شروعه في الذكر بهمة شيخه، بأن يشخصه بين عينيه ويستمد من همته ليكون رفيقه في السير.

الخامس: أن يرى استمداده من شيخه هو استمداده حقيقة من رسول الله ×لأنه واسطة بينه وبينه.

أما الآداب الاثنا عشر التي ينبغي على الذاكر اتباعها حال الذكر فنختار منها أهم هذه الآداب:

الأول: الجلوس على مكان طاهر.

الثاني: أن يضع راحتيه على فخذه، واستحبوا جلوسه للقبلة إن كان يذكر وحده وإن كانوا جماعة تحلقوا.

الثالث: تطيب مجلس الذكر بالرائحة الطيبة.

الرابع: يغمض العينين، وذلك أن الذاكر إذا أغمض عينيه تسد عليه طرق الحواس الظاهرة شيئًا فشيئًا وسدها يكون سببًا لفتح حواس القلب.

الخامس: أن يخيل شخص شيخه بين عينيه ما دام ذاكرًا، وهذا عندهم من آكد الآداب لأن المريد يترقى منه إلى الأدب مع الله والمراقبة له.

السادس: أن يختار من صيغ الذكر لفظة (لا إله إلا الله) فإن لها أثرًا عظيمًا عند القوم لا يوجد في غيرها من سائر الأذكار، فإن فنيت شهواته وأهويته كلها فحينئذ يصلح أن يذكر الله تعالى بلفظ الجلالة فقط من غير نفي، وما دام يشهد فشيئًا من الأكوان فذكر الله تعالى بالنفي والإثبات واجب عليه في اصطلاحهم.

السابع: تفرغ القلوب من كل موجود حال الذكر سوى الله بقول: لا إله إلا الله فإن الحق تعالى غيور لا يحب أن يرى في قلب الذكر غيره إلا بإذنه ولولا أن الشيخ مدخلًا عظيمًا في تأديب المريد ما ساغ للمريد أن يخيل شخصه بين عينيه لا في قلبه، وإنما شرطوا نفي كل موجود من الكون ليتمكن له تأثير قول: لا إله إلا الله بالقلب، ثم يسري المعنى إلى سائر الجسد، وأجمعوا على أنه يجب على المريد أن يذكر بقوة تامة بحيث لا يبقى منه متسع ويهتز من فوق رأسه إلى أصبع قدميه، وهي حالة يستدلون بها على أنه صاحب همة.

وأما الثلاثة آداب التي بعد الذكر فهي:

1-   أن يسكت بعد الذكر بسكون وتخشع ويحضر مع قلبه مترقبًا لوارد الذكر.

2-  أن يزم نفَسَه مرارًا بقدر ثلاثة أنفاس إلى سبعة أنفاس وأكثر، حتى يدور الوارد في جميع عوالمه فتنور بصيرته، وتقطع عنه خواطر النفس والشيطان وتكشف عنه الحجب، وهذا كالمجمع على وجوبه عندهم.

3-  منع شربه الماء البارد عقب الذكر فإن الذكر يورث حرقة وهيجانا وشوقًا إلى المذكور الذي هو المطلوب الأعظم من الذاكر، وشرب الماء يطفئ تلك الحرارة.

هذه هي أهم آداب الذكر، وهناك بعض الملاحظات التي نلمسها في أذكار الطرق الصوفية فمثلا يلاحظ أن لكل طريقة نوعا من الأذكار والأوراد والأحزاب يرددها المريدون سواء في مجالسهم أو فيما بينهم وبين أنفسهم([26]).

وسنتحدث عن الأحزاب والأوراد في مكانها المناسب (راجع: الطرق الصوفية - أحزابها وأورادها).

ابن تيمية ومجالس الذكر:

أنكر الشيخ ابن تيمية مجالس الذكر في جماعة وعدها بدعة وقال : إنه لم يكن على عهد الرسول ×أو صحابته مجالس ذكر، وقال إن كان هناك مجالس ذكر حقيقية فهي مجالس تعليم القرآن ومدارسة الحديث والفقه والإرشاد والتوجيه لما فيه صالح المجتمع في الدنيا والآخرة.

وللجواب على ذلك نقول: إن النبي ×والمسلمين في صدر الإسلام كانوا مشغولين بتأسيس الدولة الإسلامية ونشر دين الله في كل مكان ومحاربة الكفار والمرتدين، فلم يكن هناك وقت عندهم لمجالس الذكر في جماعة فلما تم نصر الله وانتشر الإسلام شرقًا وغربًا وبدأ تأثير الحضارات الأخرى في الثقافة العربية، واشتغل فريق من المسلمين بالثورة والجاه وحب الزينة اعتزل فريق آخر زينة الحياة الدنيا واتجه إلى زهدها مثل الحسن البصري وكان يدرس للناس في المسجد ويفقههم في أمور دينهم ودنياهم وتطور الأمر وأصبح له مجلس ذكر وهو يعد أول مؤسس لمجالس الذكر.

والحقيقة أن موقف ابن تيمية مجافٍ للحق في اعتباره مجالس الذكر بدعة فها هو رسولنا الكريم ×يقول «ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده» وقال أيضًا ×: «يقول الرب يوم القيامة سيعلم الجمع من أهل الكرم. فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله، قال: أهل مجالس الذكر في المساجد»([27]).

وأخرج الترمذي وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن حبان عن معاوية ت: أن النبي ×، خرج على حلقة من أصحابه، فقال:«ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، فقال: أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة».

ومن ذلك كله نستطيع أن نقول بوضوح أن مجالس الذكر ليست بدعة أبدًا كما قرر الشيخ ابن تيمية . وإنما هي ارتفاع بالإنسان فوق الماديات وسمو لروحه وجلاء لقلبه وطهر لنفسه.

وقد يكون مما حمل الشيخ ابن تيمية على إنكاره مجالس الذكر أنه وجد على أيامه تلك الحلقات الغريبة عن مجالس الذكر الحقيقي التي ابتدعها بعض المنتسبين إلى الطريق ظلما ويوجد مثلهم الكثير حتى يومنا هذا.

ويحذر الباحثون (من حركات الذكر البهلوانية التي يصطنعها ويجيدها بعض مدعي التصوف، وتلك الأصوات العالية التي ترتفع من الأفواه ولا تتجاوز الحناجر إلى ما وراءها، إنما يراد بالذكر أن يكون المؤمن على صلة دائمة بالله في عباداته وفي عمله، في خلوته وحين يكون مع الناس، فهذا الذكر هو الذي يحصل المؤمن على أن يستحي من ربه فلا يغفل عن مراقبته، ولا يجرؤ على معصيته، ولا يقصر فيما أوجب عليه، وهو في حالاته كلها ممتلئ القلب بالخشوع لله والامتثال له والحياء منه([28]).

ومما لا شك فيه حقيقة أن كثيرا مما يقع أثناء بعض مجالس الذكر أصبح يسئ إلى التصوف والطرق الصوفية، بل هو الشرخ الواضح الذي أحدثه الأدعياء من المريدين والأتباع في الطرق الصوفية فنحن نرى مثلا حلقات الذكر بالألحان والإيقاعات والدف والبندير والصياحات الغريبة التي شوهت ذكر الله تعالى، حتى أننا رأينا أن طريقة الذكر تعني الشكل الإيقاعي التي يكون عليها إنشاد ذكر الله، وهو إيقاع جماعي للفظة الجلالة و(لا إله إلا الله) أو (الله حي) ويتخللها إيقاعات وألحان أخرى لقصائد دينية.

كما رأينا حين دراسة طريقة الذكر في الطرق الصوفية أن الطريقة قسمان: أحدهما يسمى الأرضية، وهو أن تجعل أبياتًا من الشعر ملحنة تلحينًا موزونًا ثم يقاس عليها تلحين (لا إله إلا الله) أو أن يلحن الذكر وتقاس على تلحينه أبيات من الشعر، فينشد الرئيس لحن الأبيات من صياحات نغم الذكر، ويردد الذكر من سجاحات تلك النغم أي قراءتها. والقسم الثاني أن يجعل اللحن في الأبيات فقط دون كلمات الذكر التي يرددها الذاكرون بغير تلحين، وفي الحالتين يلتزم الذاكر أن يحتفظ بأزمنة النغم حتى لا يخرج المنشد عن الإيقاع، ويستعمل في هذه الطريقة آلات الإيقاع الدف والبندير والتصفيق.

هكذا أصبحت طريقة ذكر الله تعالى، إنشاد على إيقاعات وألحان يهتز ويتمايل على دقاتها الأتباع والإخوان الأدعياء مما أساء للطرق الصوفية إساءة بالغة وأصبحت طريقة ذكر الطرق الصوفية ثغرة ينفذ منها أعداء التصوف.

إن الذكر بهذه الطريقة المنحرفة ليس ذكرًا لله تعالى وإنما مجرد رقص وهز للأجساد والأرداف يمثل انحرافًا خطيرًا عن الطريقة المثلى لرواد الطرق وأصحابها الأجلاء الذين لم يأمروا أتباعهم قط بعمل هذه الحركات المستشنعة وإنما أمروهم بذكر الله ذكرًا سليمًا صحيحًا وعلموهم آداب الذكر وألزموهم اتباعه ولكن الدخلاء على الطريق شوهوا صورة الذكر الجميل وأضافوا إليه وجرحوه ، وأصبح الذكر الذي هو أصلا زينة الطريق فرصة استغلها أعداء التصوف والطرق الصوفية .

وإنها لدعوة صريحة خالصة لوجه الله تعالى لمريدي وأتباع الطرق الصوفية: ينبغي ألا يكون ذكر الله بهذا التشويه والتميع المشاهد والمعروف.

وإذا كنا حقيقة نحتاج إلى ثورة روحية تبدأ من عمق العمق فلا بد من مناشدة ملايين الصوفية المسلمين فى أرجاء الأرض أن يطهروا الطريق مما حسب عليه ومن هؤلاء الدخلاء عليه من المرتزقة والمنتفعين.

 

المرجع : الطرق الصوفية في مصر ، نشأتها ونظمها ، أ/د عامر النجار ، القاهرة:مكتبة الأنجلو المصرية ، د ت، (ص 44-56) .

 

 


([1])    الآية 152 من سورة البقرة.

([2])    الآية 28 من سورة الرعد.

([3])    الآية 41، 42 من سورة الأحزاب.

([4])    الآية 35 من سورة الأحزاب.

([5])    متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري ومسلم وذكره الإمام الشهيد حسن البنا في كتاب المأثورات ص7.

([6])    من كتاب إعمال الفكر في فضل الذكر لجلال الدين السيوطي صفحة 10، 11.

([7])    من كتاب إعمال الفكر في فضل الذكر لجلال الدين السيوطي صفحة 10، 11.

([8])    رواه النسائي وابن حبان والحاكم وذكره الغزالي في الإحياء جـ1 ص305.

([9])    عن يعلى بن شداد رواه أحمد وفيه راشد بن داود وقد وثقه غير واحد وبه ضعف وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد: جـ10ص81).

([10])   الرسالة القشيرية ص466.

([11])   الأنوار القدسية في آداب العبودية للشعراني ص125.

([12])   الرسالة القشيرية ص212.

([13])   لوامح لواقح البيانات للفخر الرازي ص2.

([14])   من التراث الصوفي: سهل عبد الله التستري: للدكتور محمد كمال جعفر جـ1 ص193.

([15])   من التراث الصوفي: سهل عبد الله التستري: للدكتور كمال جعفر- الجزء الأول ص193، 194.

([16])   الفلسفة الأخلاقية في الإسلام: الدكتور صبحي ص253.

([17])   الفلسفة الأخلاقية في الإسلام: الدكتور صبحي ص253.

([18])   التصوف طريقا ومذهبا: للدكتور محمد كمال جعفر ص227.

([19])   مفتاح الفلاح لابن عطاء الله السكندري ص3.

([20])   المرجع السابق ص28.

([21])   هناك صيغ: استعملها أصحاب الطرق ذكرت بعضها عند الحديث عن تراثهم.

([22])   أبو الحسن الشاذلي جـ2 للأستاذ علي سالم عمار. 

([23])   في كتابه المأثورات لحسن البنا ص9، 10، 11.

([24])   الآية 205 من سورة الأعراف.

([25])   الأنوار القدسية للشعراني ص36 وما بعدها بتصرف محدود.

([26])   الحياة الروحية في الإسلام للمرحوم الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي ص56.

([27])   رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة وأبي سعيد الفتح الكبير - الحلبي 1350هـ.

([28])   مجلة منبر الإسلام (عدد شعبان 1386هـ) ص112 مقالة الأستاذ الدكتور مصطفى زيد، وذكرها الأستاذ أحمد شلبي في كتابه الحياة الإجتماعية في الفكر الإسلامي ص205.


التقييم الحالي
بناء على 61 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث