نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفى - أطواره

 مر الطريق الصوفى فى الإسلام بالعديد من المراحل أثناء تطوره ، يمكن الإشارة إليها بإيجاز فيما يلى :

أ- مرحلة النشأة :وهى التي تسمى بمرحلة (الزهد)، وهي واقعة في القرنين الأول والثاني الهجريين. فقد كان هناك أفراد من المسلمين أقبلوا على العبادة بأدعية وقربات، وكانت لهم طريقة زهدية في الحياة تتصل بالمأكل والملبس والمسكن، وقد أرادوا العمل من أجل الآخرة، فأثاروا لأنفسهم هذا النوع من الحياة والسلوك. ونضرب لأولئك مثلًا بالحسن البصري المتوفى سنة 110هـ، ورابعة العدوية المتوفاة سنة 185.

ب- مرحلة النضج والتدوين والمدارس الصوفية:ومنذ القرن الثالث للهجرة نجد الصوفية وقد عُنُوا بالكلام في دقائق أحوال النفس والسلوك، وغلب عليهم الطابع الأخلاقي في علمهم وعملهم، فصار التصوف على أيديهم علمًا للأخلاق الدينية، وكانت مباحثهم الأخلاقية تدفعهم إلى التعمق في دراسة النفس الإنسانية ودقائق أحوال سلوكها. وكانت تقودهم أحيانًا إلى الكلام في المعرفة الذوقية وأدلتها ومنهجها، وإلى الكلام عن الذات الإلهية من حيث صلتها بالإنسان وصلة الإنسان بها. وظهر الكلام في (الفناء الصوفي) خصوصًا على يد البسطامي، ونشأ من ذلك كله علم للصوفية يتميز عن علم الفقه من ناحية الموضوع، والمنهج، والغاية، له لغته الاصطلاحية الخاصة التي لا يشارك الصوفية فيها غيرهم، ويحتاج فهم مراميها إلى جهد غير قليل. وقد ظهر هذا العلم والذى يعتبر من علوم الشريعة بعد ظهور التدوين، كما يشير إليه ابن خلدون قائلًا: «فلما كتبت العلوم ودونت، وألف الفقهاء في الفقه وأصوله والكلام،   والتفسير وغير ذلك، كتب رجال من هذه الطريقة -أي الصوفية- في طريقهم، فمنهم من كتب في الورع، ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك، كما فعله القشيري في (الرسالة)، والسهروردي البغدادي في كتاب (عوارف المعارف)، فصار علم التصوف في الملة علمًا مدونًا بعد أن كانت طريقة عبادة فقط».

ومن ناحية أخرى نجد بعض شيوخ التصوف في القرنين الثالث والرابع الهجريين، كالجنيد، والسريالسقطي،والخراز وغيرهم، يجمعون حولهم المريدين من أجل تربيتهم؛ فتكونت لأول مرة الطرق الصوفية في الإسلام، التي كانت آنذاكبمثابة المدارس التي يلتقي السالكون فيها بآداب التصوف علمًا وعملًا.

وكان هناك في القرن الثالث الهجري –أيضًا- نوع من التصوف يمثله الحلاج الذي أعدم لمقالته في الحلول سنة 309هـ، ويبدو أنه كان متأثرًا فيه بعناصر أجنبية عن الإسلام.

ج - مرحلة النقد وظهور الطرق الصوفية السنية الكبرى: ثم جاء الغزالي في القرن الخامس الهجري فلم يقبل من التصوف إلا ما كان متمشيًا تمامًا مع الكتب والسنة، وراميًا إلى الزهد، والتقشف، وتهذيب النفس وإصلاح أخلاقها. وقد عَمَّقَ الغزالي الكلام في المعرفة الصوفية على نحو لم يُسْبَقْ إليه. وحمل على مذاهب الفلاسفة والمعتزلة والباطنية، وانتهى به الأمر إلى إرساء قواعد نوع من التصوف معتدل يساير مذهب أهل السنة والجماعة الكلامي، ويخالف منهج الحلاج والبسطامي في الطابع.

ومنذ القرن السادس الهجري أخذ نفوذ التصوف السني في العالم الإسلامي يزداد بتأثير عظم شخصية الغزالي.

وظهر صوفية كبار كَوَّنُوا لأنفسهم طرقًا لتربية المريدين، منهم: السيد أحمد الرفاعي المتوفى سنة 570هـ، والسيد عبد القادر الجيلاني المتوفى سنة 651هـ، ومن المعتقد أنهما متأثران بتصوف الغزالي.

ثم ظهر في القرن السابع الهجري شيوخ آخرون ساروا على نفس الطريق، أبرزهم: أبو الحسن الشاذلي المتوفى سنة 656هـ، وتلميذه أبو العباس المرسي المتوفى سنة 686هـ، وتلميذهما ابن عطاء السكندري المتوفى سنة 709هـ، وهم أركان المدرسة الشاذلية في التصوف، ويعتبر تصوفهم –أيضًا- امتدادًا لتصوف الغزالي السني.

على أنه منذ القرن السادس الهجري –أيضًا- نجد مجموعة أخرى من شيوخ التصوف الذين مزجوا تصوفهم بالفلسفة، فجاءت نظرياتهم بين بين، لا هي تصوف خالص، ولا هي فلسفة خالصة. نذكر من هؤلاء: السهروردي المقتول، صاحب (حكمة الإشراق) المتوفى سنة 549هـ، والشيخ الأكبر محييالدين ابن عربي المتوفى سنة 638هـ، وسلطان العاشقين المصري عمر بن الفارض المتوفى سنة 632هـ، وعبد الحق بن سبعين المرسي المتوفى سنة 669هـ، ومن نحا نحوهم في التصوف. وواضح أنهم قد استفادوا من عديد من المصادر والآراء الأجنبية، كالفلسفة اليونانية ، خصوصًا مذهب الأفلاطونية المحدثة. وقد قدم لنا أولئك الصوفية نظريات عميقة في النفس، والأخلاق، والمعرفة، والوجود لها قيمتها من الناحيتين الفلسفية والتصوفية، كما كان لها تأثيرها على من تلاهم من الصوفية المتأخرين.

وبظهور متفلسفة الصوفية الذين ذكرنا أصبح في التصوف الإسلامي تياران بحسب التقسيم الشائع، والذى سنسايره فحسب بسبب شيوعه، وإن كان بعض الباحثين قد وجه إليه نقدا صادقا:

أحدهما: سني، يمثله رجال التصوف المذكرون في رسالة القشيري، وهم صوفية القرنين الثالث والرابع الهجري خصوصًا ثم الإمام الغوالي، ثم من تبعهم من شيوخ الطرق الكبار. وكان تصوف هؤلاء جميعًا يغلب عليه الطابع الخلقي العملي.

والآخر: فلسفي، يمثله من ذكرنا من متفلسفة الصوفية الذين مزجوا تصوفهم بالفلسفة. وقد أثار متفلسفة الصوفية فقهاء المسلمين، واشتدت الحملةعليهم لما ذهبوا إليه من القول بالوحدة الوجودية. وكان أبرز من حمل عليهم ابن تيمية المتوفى سنة 728هـ.

وهناك أمر هام نحب أن ننبه إليه، وهو أن التصوف الإسلامي وإن كان قد تأثر في مراحل معينة من تطوره بالفلسفة وأنظارها، واصطنع بعض اصطلاحاتها، واصطبغ بصبغتها، إلا أنه من حيث نشأته الأولى إسلامي. وقد أخطأ الكثيرون من المستشرقين الذين عنوا بدراسة التصوف الإسلامي برده إلى مصادر أجنبية عن الإسلام، (راجع: الطريق الصوفى -  مصدره - نقد منهج المستشرقين فى مشكلة مصادر).

ومن الملاحظ بعد هذا أن بعض متفلسفي الصوفية قد حاول تأسيس طرق، ولكن الطرق التي أسسوها لم يكتب لها الاستمرار في الوجود أو الذيوع والانتشار في العالم الإسلامي لما أثير حول عقيدة مؤسسيها من شبهات، وذلك كــ: (الطريقة الأكبرية) التي أسسها ابن عربي الملقب بــ: (الشيخ الأكبر)، و(الطريقة السبعينية) التي أسسها ابن سبعين المرسي، ولاكذلك الأمر بالنسبة للطرق الأخرى التي يغلب على دعاتها الاتجاه العملي التربوي، كالطريقة الرفاعية، والطريقة القادرية، والطريقة الأحمدية التي أسسها السيد أحمد البدوي، والطريقة البراهمية التي أسسها إبراهيم الدسوقي، والطريقة الشاذلية، وما إليها فقد استمرت إلى يومنا الحاضر، محققة الكثير من الشيوع والانتشار.

على أنه قد أصاب التصوف في عصوره المتأخرة -منذ القرن الثامن الهجري تقريبًا إلى العصر الحاضر- شيء من التدهور، فاتجه أصحابه إلى الشروح والتلخيصات لكتب المتقدمين، كما عُنِيَ أصحابه من الناحية العملية بضرب من الطقوس والشكليات أبعدتهم في كثير من الأحيان عن جوهر دعوتهم. وكثر أتباع التصوف في عصوره المتأخرة، ولكن لم يظهر من بين هذه الكثرة شخصيات لها ما لشخصيات التصوف الأولى من مكانة روحية مرموقة، ولعل هذا كان راجعًا إلى ما سيطر على العالم الإسلامي في عصوره المتأخرة من ركود فكري إبان عصر العثمانيين. وعلى كل حال فإن انحراف بعض الصوفية في بعض عصور التاريخ لا ينهض دليلًا على فساد دعوتهم.

ولعله قد تبين بعد هذا العرض الموجز لمراحل الطريق الصوفى أن الخصائص العامة الخمس المذكورة فى موضوع (الطريق الصوفى - الخصائص العامة) لم تتوفر له إلا في مرحلة معينة هي مرحلة النضوج، وهي تبدأ في القرن الثالث الهجري وما بعده، حين استحال التصوف إلى علم للأخلاق الدينية يهدف إلى الترقي بالنفس الإنسانية لتبلغ كمالها وعرفانها، ولتفنى في الحقيقة المطلقة على أساس من منهج الذوق لا العقل. وأن الصوفية لجأوا في التعبير عن أحوالهم إلى مصطلحات خاصة، أداروها فيما بينهم، ولها معانيها التي لا تفهم إلا بنوع تحليل وتعمق.

المرجع : أ/د أبوالوفا الغنيمي التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، القاهرة: مكتبة الثقافة للطباعة والنشر، ط 2، 1976م، (ص21 - 25).


التقييم الحالي
بناء على 42 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث