نسخة تجريبيـــــــة
الطريق الصوفي - تعريفه

الطريق الصوفي هو ذلك المنهج العملي التربوي والسلوك الذوقي القائم على أسس التصوف الإسلامي.

وعند محاولة تعريف التصوف نجد أنفسنا بإزاء حشد هائل من التعريفات جمع منها نيكلسون ۷۸تعريفًا.

وقد أتت هذه التعريفات بمثابة الوصف لأحوال التصوف والصوفية وخصالهما، وأكثر هذه التعريفات نطق بها الصوفية أنفسهم؛ مما يدل على أن الناطق بها خبير في هذا التعريف أو ذاك الوصف.

فمن هذه التعريفات ما يربط بين التصوف والولاية الكاملة مثل قول الهُجْويري: «الصوفي: اسم يطلقونه على كاملي الولاية، ومحققي الأولياء»(1)، ويقول أحد مشايخهم عن الصوفي ومدى فوزه برضوان الله تعالى: «من صافاه الحب فهو صافٍ، ومن صافاه الحبيب فهو صوفي»(2).

وهم يسمون أهل الكمال منهم (بالصوفي) كما أنهم يسمعون المتعلقين بهم وبطلابهم (بالمتصوف)؛ ذلك أن التصوف تفعُّل وتكلُّف، والصفاء هو الفرع الأصلي، والفرق بينهما غير خافٍ في اللغة والمعنى: «فالصفاء ولاية لها آية، والتصوف حكاية للصفاء بلا شكاية».

والصفاء معنى متلألئ، وظاهر التصوف حكاية عن ذلك المعنى، وهنا ثلاثة أقسام كما يرى الهُجْوِيري:

الصوفي: «هو الفاني عن نفسه والباقي بالحق؛ فقد تحرر من قبضة الطبائع، واتصل بحقيقة الحقائق».

ومعنى هذا: أن الصوفي الحقيقي هو من تخلي عن صفاته البشرية، وتجرد من علائقه الدنيوية، فلما فنى عن ذلك، تهيأ له الاتصال بالحقيقة الإلهية، ووجد البقاء بالله تعالى.

والمتصوف: «هو من يطلب هذه الدرجة بالمجاهدة، ويقوِّم نفسه في الطلب على معاملاتهم».

والمستصوف: «هو من تشبَّه بهم من أجل المنال والجاه وحظ الدنيا، وهو غافل عن هذين، وعن كل معنى، إلى حد أن قيل: المستصوف عند الصوفية كالذباب، وعند غيرهم كالذئاب»(3).

وكان أهل الشام يسمون الصوفية (الفقراء)؛ لأن الله تعالى سماهم فقراء، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:8].

وقد أكد الطوسي -صاحب (اللمع)- على أن الصوفي لا يكون كذلك حقًّا بدون مقارنة أحكام الشريعة علمًا وعملًا، فيقول في تعريف الصوفية: «هم العلماء بالله تعالى وبأحكام الله، العاملون بما علمهم الله تعالى، المتحققون بما استعملهم الله عز وجل، الواجدون بما تحققوا، الفانون بما وجدوا؛ لأن كل واحد قد فنى بما وجد»(4).

فلا ينزل الصوفي منازل الحقيقة، ولن يتحقق بالعبودية، إلا إذا صفا من كدر البشرية، وأخذ بشريعة الله تعالى علمًا وعملًا.

ومع هذا يرى الدكتور عبد الرحمن بدوي أن الأغلب على هذه التعريفات هو الجانب الأدبي والبلاغي، دون التحديد العلمي الدقيق.

ونجتزىء هنا بشواهد منها للدلالة على مشكلة تعريف التصوف:

۱- «سئل الجنيد عن التصوف فقال: هو أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة».

۲- «وقال الجنيد: التصوف عنوة لا صلح فيها».

۳- وقال أيضًا: «هم أهل بيت واحد، لا يدخل فيهم غيرهم».

٤- وقال أيضًا: «التصوف ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع، وعمل مع اتباع».

٥- «وقال أيضًا: الصوفي كالأرض: يطرح عليها كل قبيح، ولا يخرج منها إلا كل مليح».

٦- وقال أيضًا: إنه كالأرض: يطؤها البر والفاجر، وكالسحاب يظل كل شىء، وكالقطر يسقي كل شىء».

۷- «وقال سهل بن عبدالله: الصوفي من يرى دمه هدرًا، وملكه مباحًا».

۸- «وقال الثوري: نعت الصوفي: السكون عند العدم، والإيثار عند الوجود».

۹- «وقال الشبلي: التصوف الجلوس مع الله بلا هم».

۱۰- «وقال الشبلي: الصوفي منقطع عن الخلق، متصل بالحق، لقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:41] قطعه عن كل غير». ثم قال: «لن تراني».

۱۱- وقال الشبلي أيضًا: «الصوفية أطفال، في حجر الحق».

۱۲- وقال أيضًا: «التصوف برقة محرقة».

۱۳- وقال أيضًا: «هو العصمة عن رؤية الكون».

۱٤- وقال الجريري: «التصوف مراقبة الأحوال، ولزوم الأدب».

۱٥- «سئل ذو النون عن التصوف فقال: هم قوم آثروا الله –عز وجل- على كل شىء فآثرهم الله –عز وجل- على كل شىء».

۱٦- «وسئل عمرو بن عثمان المكي عن التصوف فقال: «أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت».

۱۷- «وسئل سحنون عن التصوف فقال: «أن لا تملك شيئًا ولا يملكك شىء».

۱۸- «وسئل رويم عن التصوف فقال: استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريد».

۱۹- «قال أبو يعقوب المزابلى: التصوف حال تضمحل فيها معالم الإنسانية».

۲۰- «وقال رويم بن أحمد البغدادى: التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالبذل والإيثار، وترك التعرض والاختيار».

۲۱ - «وقال معروف الكوخي: التصوف الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق».

۲۲- وقال عبد الواحد بن زيد: الصوفية هم «القائمون بعقولهم على همومهم، والعاكفون عليها بقلوبهم، المعتصمون بسيدهم من شر تفوسهم».

۲۳- «وسئل ذو النون المصري عن الصوفي فقال: هو الذي لا يتعبه طلب، ولا يزعجه سلب».

۲٤- ويلخص السراج تعريفات الصوفية: «هم العلماء بالله، وبأحكام الله، العاملون بما علمهم الله تعالى، المتحققون بما استعملهم الله عز وجل، الواجدون بما تحققوا، القانون بما وجدوا، لأن كل واحد قد فني بما وجد ».

وهذه التعريفات ترجع إلى صوفية من القرنين الثالث والرابع الهجريين، وتتسم بالطابع العملي السلوكي، ولا تشير إلى الجانب المتعلق بالمعرفة. كما أنها لم تعرف علاقة الاتحاد أو الحلول أو وحدة  الوجود فيما بين الله والصوفي.

المراجع: أ/د عبد الرحمن بدوي، تاريخ التصوف الإسلامي- من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الكويت: وكالة المطبوعات، (ص 15- 22) .

- أ/د عبد اللطيف محمد العبد، التصوف في الإسلام وأهم الاعتراضات الواردة عليه، القاهرة: توزيع العبد سنتر، ط3، 1421هـ- 2000م، (ص 69 - 77).


(1)    كشف المحجوب، ص230.

(2)    نفس المكان.

(3)    نفس المصدر، ص231.

(4)    اللمع، ص47.


التقييم الحالي
بناء على 64 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث