نسخة تجريبيـــــــة
الطرق الصوفية - دورها الإيجابى العام

يذكر بعض الباحثين أن «التاريخ يسجل لبعض الصوفية المسلمين مواقف لا تنقصها الشجاعة إزاء نصح الحاكم ورده عن ظلمه في عزة مدهشة قل أن توجد في هذا العصر، وقد كان اتصال أغلب المتصوفة بالقاعدة الشعبية أوثق منه بالقمة، فكانوا أعرف الناس بآلام الناس وآمالهم وأدى بعضهم دوره الإنساني في مجال المواساة والإسعاف والإنصاف والإرشاد، ولم يقبع ويحجم إلا المتصوف ذو المزاج المريض»(1).

وسنرى بأنفسنا حين دراسة الطرق الصوفية في مصر مثلا في القرن السابع الهجري حين نتحدث عن أصحاب الطرق ومؤسسيها أمثال أبو الحسن الشاذلي صاحب الطريقة الشاذلية سنرى كيف شارك الشاذلي الشعب المصري في جهاده المستعمرين ووقوفه مع المجاهدين، بل ذهابه مع نفر من العلماء والفقهاء لميدان الوغي ليبثوا في الأبطال روح الجهاد وحلاوة الإيمان.

فالتصوف ليس ضعفًا وانعزالًا وقوقعة «إنه الجهاد في أعلى ذراه، والعلم في أصفى موارده، والخلق في أعلى مثله، والإيمان في أسمى أنواره وإشراقاته، لقد كان التصوف الإسلامي طوال أيام تاريخنا المضئ المنتصر هو القوة الملهمة للفداء والتضحية، وهو الروح الصانعة للعزمات والوثبات، وهو الدرع الذي يحمي أخلاقنا، ويصون عقائدنا، ويحول بيننا وبين التحلل والتفكك والفناء»(2).

وكما ذكرت نشرة مشيخة الطرق الصوفية(3) «أنه الخلاصة الزكية لكل دعوة ربانية، إنه الصدق والأمانة والوفاء والإيثار والنجدة والكرم ونصرة الضعيف، وإغاثة الملهوف، والتعاون على البر والتقوى ... إنه الصيحة الرهيبة في وجه الطغيان والاستبداد والعدوان، إن الجبرتي ليحدثنا أن هزيمة الحملة الفرنسية على مصر، إنما كانت على أيدي رجال المقاومة الشعبية من أبناء الطرق الصوفية وشيوخها الذين جعلوا من الأزهر والأحياء الشعبية في القاهرة حصونًا لا تقتحم ومشاعل للثورة لا تخمد لهيبها».

ونحن نلمس أن «حياة معظمهم كانت برهانًا أكيدًا يضاف إلى الشواهد التاريخية المتتابعة على صدق التجربة الإنسانية، وعلى إبطال كون الإنسان مجرد ظاهرة مادية عابرة، وأن التصوف لكي يضع تجربته الحية موضع المشاريع النظرية يلجأ أحيانًا إلى استعارة أنماط من هذه وتلك كوسيلة تعبير، كما لا ينكر أن الشخصيات الصوفية الممتازة شاركت في الحياة العملية وأفسحت صدرها لأوجه النشاط الثقافي في شتى العلوم العملية والنظرية»(4).

والصوفية الذين رأيناهم يستحقون هذا اللقب الجليل «إذا ما تتبعنا حياتهم على مر القرون والعصور لوجدناهم تميزوا منذ يومهم الأول في البيئات الإسلامية بأنهم وحدهم الذين أخذوا أنفسهم في المعاملات والأخلاقيات والتعهدات، بالقوى من العزائم وعضّوا على سنة نبيهم بالنواجذ، فالصغيرة لديهم كبيرة، وما يراه بعضهم أرق من الشعرة، يرونه أضخم من الجبال الراسيات. لقد نهضوا بالفرائض، ثم استمسكوا بالنوافل، ثم تطلعوا لما فوق النوافل والفرائض تطوعًا تعبديًا يرجون به وجه الله جل جلاله»(5).

أما هؤلاء البدعيون فهم ليسوا متصوفة على الإطلاق فـ «كون بعض الطرق ينتسب إليها أناس من المشعوذين زورًا أو كون بعض المتعالين المارقين يصورهم للرأي العام بصور مخالفة لما جاء به الدين لا يكون بحال مدعاة إلى إنكار الطريقة وأصولها وتعاليمها التي هي من لب الكتاب وخالص السنة»(6) ولهذا فإنه لا يصرفنا اندساس بعض الناس الذين وسمهم التاريخ بأنهم متصوفة في صفوف هؤلاء الصفوة فلكل طائفة عوارها وبلاؤها(7).

والحق أن للطرق الصوفية أهمية بالغة في الإسلام وذلك لأنها «تمثل الجانب العملي من التصوف، وهو جانب ارتبط بحياة المجتمعات الإسلامية وجماهير الناس فيها عبر عصور التاريخ ارتباطًا مباشرًا، والتصوف في حقيقته ليس نظريات نفسية أو أخلاقية أو ميتافيزيقية بقدر ما هو طريقة في الحياة، ورياضة عملية تمارس من أجل هدف معين هو تحقيق الكمال الأخلاقي الذي دعا إليه الإسلام»(8).

وقد نبه الإمام الغزالي إلى أنه لا يكفي أن تقرأ كتب الصوفية لتصبح صوفيًا، إذ أن طريقتهم لا تتم إلا بعلم وعمل(9).

ولعلك تدهش إذا علمت أن آراء كبار شيوخ التصوف لم يكتب لها البقاء في العالم الإسلامي قرونًا إلا من خلال الطرق العملية التي أسسوها والتي انتشرت فيها انتشارًا واسعًا وهذا من دلائل عظمة شخصياتهم، وقدرتهم على القيادة الروحية للجماهير وهذا أمر لم يتهيأ لغيرهم من كبار مفكري الإسلام وفلاسفته الذين آثروا منهج العقل وحده في تقرير مباحثهم النظرية، فبقيت آراؤهم لهذا في نطاق محدود لا تتجاوزه إلى قلوب الجماهير وعقولهم إلا في النادر(10).

وفي دفاع مفرط في حرارته تذكر نشرة مشيخة عموم الطرق الصوفية في مصر أن هذه الطرق هي التي نشرت الإسلام وحملت رايته إلى كل مكان، وكسبت له الملايين وأسست دولة المرابطين والموحدين، لنجدة الأندلس، ولحماية المغرب العربي من وثبات الأوربيين، وفتكات القراصنة الناهبين(11).

ويقول البعض وفي معرض حديثنا عن نشر تعاليم الإسلام في الصومال، لا يمكن أن نغفل جهود الطرق الصوفية في هذا المضمار. فقد ساهمت هذه الطرق في إنشاء المراكز الدينية التي تدرس فيها أصول الدين للصوماليين، وما زالت هذه الطرق إلى اليوم تتمتع بمكانة كبيرة ونفوذ عظيم بين الصوماليين. وأكثر الطرق الصوفية انتشارًا في الصومال، الطريقة القادرية وتليها الصالحية، ثم الأحمدية والرفاعية(12). وإنما ضربنا الصومال كمثل، وإلا فإن انتشار الإسلام في ربوع أفريقيا وآسيا الوسطى وما يليها إنما كان على أيدي رجال الصوفية عبر القرون.

ولا شك عندنا أن الصوفية الأفذاذ استطاعوا، أن يحملوا الرسالة الإسلامية ويمشوا بنورها إلى آفاق لم يمتد إليها نفوذ الإسلام، وتبلغها دعوته إلا على أيدي رجال الطرق الصوفية، ففتحها الصوفية وهيمنوا عليها بنجاح ساحق، حتى إن قبائل وشعوبا في آسيا وأفريقيا أسلمت كلها بفضل إخلاص رجال الطرق الصوفية ودعوتهم(13).

إن الحملة الشعواء التي يشنها البعض على أصحاب الطرق الصوفية مبعثها الحقيقي هذه الفئة المندسين في الطريق بالإضافة إلى سوء فهم البعض الناتج عن تصور الطرق أنها موالد وطبول ودفوف ورايات ومواكب.

ولهذا فإن واجب الطرق الصوفية أن تكشف عن المندسين بينها، ويا حبذا لو نشطت مشيخة الطرق الصوفية في مصر وغيرها من بلاد الإسلام، فزودت رجالها بالإسلام الصحيح وحملتهم الدعوة الإسلامية الحقة(14).

الحق أن جوهر الطريق أنقى مما يفعله بعض الأتباع باسم الطريق.

المرجع : الطرق الصوفية في مصر، نشأتها ونظمها، أ/د عامر النجار، القاهرة: القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، د ت، (ص 74- 77) .


(1)    التصوف: طريقا ومذهبا، للأستاذ الدكتور جعفر ص33.

(2)    التصوف الإسلامي: رسالته، ومبادئه، نشرة مشيخة عموم الطرق الصوفية 14 ديسمبر سنة 1985 ص6، 8، 9 على التوالي.

(3)    التصوف الإسلامي: رسالته، ومبادئه، نشرة مشيخة عموم الطرق الصوفية 14 ديسمبر سنة 1985 ص6، 8، 9 على التوالي.

(4)    التصوف: طريقا ومذهبا للأستاذ الدكتور كمال جعفر ص35، 36.

(5)    أعلام التصوف: للأستاذ طه عبد الباقي سرور ص34 ، 35.

(6)    مدارج الحقيقة في الرابطة عند أهل الطريقة لإبراهيم حلمي القادري ص13.

(7)    التصوف طريقا للدكتور محمد كمال جعفر ص31.

(8)    بحث الطرق الصوفية للدكتور التفتازاني: مجلة الآداب جـ2 ص55.

(9)    المنقذ من الضلال: هامش الإنسان الكامل للجيلي ص30، 31.

(10)   بحث الطرق الصوفية للدكتور التفتازاني: مجلة الآداب جـ2 ص56.

(11)   نشرة مشيخة الطرق الصوفية بمصر ص28.

(12)   كتاب الجمهورية الصومالية لعبد المنعم عبد الحليم ص50.

(13)   كتاب مكانة التصوف والصوفية في الإسلام لمحمد عبد الشافي ص166.

(14)   التصوف الإسلامي بين الفلسفة والدين: لعبد الدايم الأنصاري ص32.


التقييم الحالي
بناء على 59 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث