نسخة تجريبيـــــــة
(7) يحيى بن معاذ (تـ258هـ)

 

اسمه ونسبه:

 أبو زكريا يحيى بن مُعَاذٍ الرازيُّ نسبة إلى الرَّيِّ مدينة مشهورة،الواعظُ ، نَسِيجُ وَحْدِهِ-أي: لا نظيرَ له-في وقته.

له لسانٌ في الرجاء خصوصًا، وكلام في المعرفة.

خرج إلى بَلْخٍ، وأَقام بها مدة، ورجع إلى نَيْسَابُورَ.، وكان له ثلاثة إخوة: يحيى، وإبراهيم، وإسماعيل، وكلهم زهَّاد.

قال بعضهم: كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر،له سطوة تكف الأيدي عن الجَور، ومهابة تزعزع كل جبار، لزم الحدود (الشريعة) توقيًا من المعاد، واستلذَّ السهاد (السهر) تحريًا للوداد، واحتمل الشدائد توصلاً إلى المعتاد.

ما حصل له في زمانه:

وقيل: إن يحيى بن معاذ تكلم بِبَلْخٍ في تفضيل الغنى على الفقر، فأُعْطِيَ ثلاثين ألف درهم، فقال بعض المشايخ: لا بارك الله له في هذا المال، فخرج إلى نَيْسَابُورَ، فوقع عليه اللصُّ، وأخذ ذلك المالَ منه . 

ورُوي عنه أن رجلاً قال له: إنك لتحبُّ الدنيا. فقال: أين السائل عن الآخرة؟ قال: ها أنا. قال: أخبرني عنها أبالطاعة تنال أم بالمعصية؟ قال: لا، بل بالطاعة. قال: أخبرني عن الطاعة أبالحياة تنال أم بالممات؟ قال: لا، بل بالحياة. قال: فأخبرني عن الحياة أبالقوت تنال أم بغيره؟ قال: بل بالقوت. قال: فأخبرني عن القوت أهو من الدنيا أم من الآخرة؟ قال: لا، بل من الدنيا. قال: فكيف لا أحب دنيا قُدِّر لي فيها قوتٌ أكتسب به حياةً أدرك بها طاعةً أنال بها الآخرة ؟! فقال الرجل: أشهد أن ذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لسِحْرًا».

من أقواله:

كيف يكون زاهدًا من لا ورع له؟ تورَّعْ عَمَّا ليس لك، ثم ازهد فيما لك.

وقال: جُوعُ التوابين تجربةٌ، وجوعُ الزاهدين سياسةٌ، وجوع الصديقين تكرمةً.

وقال: الفَوْتُ أشد من الموت؛ لأن الفوت انقطاعٌ عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق. والمعنى منه : أن الموت معلومٌ والعبد ينتظره ويتهيَّأ له، فخفَّ أمرُه، بخلاف ما تعلَّق به القلب وليس معلومًا ، واجتهد في تحصيله ثم فاته ، فإن ألمه عليه شديد ، وإن كان الفائتُ عظيمًا فالألم عليه أشدُّ، ولا أعظم من الله تعالى ، فمَن اجتهد واشتغل بجميل تقواه ودام ذكره لمولاه ففاته الوصولُ وحُجِب عنه لسبب من الأسباب فألمه أشدُّ الآلام، ولذلك قال بعضهم: اللهم إن عذبتني بشيء فلا تعذبني بذلِّ الحجاب.

وقال: الزهد- أي: علامات الزهد- ثلاثة أشياء: القلة، والخَلْوَةُ، والجوع.

وقال أيضاً: لا تَرْبَحُ على نفسك بشيء أجلَّ من أن تشغلها في كل وقتٍ بما هو أولى بها.

وقال: من خان الله في السِّرِّ هَتَكَ الله سِتْرَه في العلانية.

وقال: تزكية الأشرار لك هُجْنَةٌ بك -أي:قُبْحٌ ونَقْصٌ-وحبهم لك عَيْبٌ عليك، وهَانَ عليك من احتاج إليك.

ومن كلامه: مَفَاوِزُ الدنيا تُقْطَع بالأقدام ومَفَاوِزُ الآخرةِ بالقلوب.

 وقال: العقلاء ثلاثة: من ترك الدنيا قبل أن تَتْرُكَهُ، وهَيَّأَ قبره قبل أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه.

وقال: من استفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وُكِل إلى الخلق.

وقال: الوحدةُ جليسُ الصِّدِّيقِين.

وقال: من خالطَ الناس داراهم، ومن دَارَاهُم راءاهم.

وقال: العارفُ يشتغل بربِّه عن مفاخرة الأشكال في مجالس العطايا، وعن منازعةِ الأضدادِ في مجالسِ البلايا.

وقال: زلةٌ واحدة بعد التوبة أقبحُ من سبعين قبلها.

وقال: العمالُ أربعةٌ: تائب وزاهد ومشتاق وواصل؛فالتائب محجوب بتوبته، والزاهد بزهده، والمشتاق بحاله، والواصلُ لا يحجبُه عن الحق شيءٌ .

وقال: إذا لم يكن الإيمان هادمًا للسيئات كما أن الكفرَ هادم للحسنات لما فضل الإيمان.

وقال: لا يفلح من شَمَمْتَ منه رائحةَ الرياسة.

وقال: مُصِيبتان لم يُسمع بمثلهما للعبد في مالِه عند موته:يؤخذ منه كلُه، ويسأل عنه كلُه.

 وقال لا تستبطئ الإجابةَ إذا دعوتَ وإن تسددت طرقُها بالذنوبِ وأكلِ الحرام.

وقال: ليس من العقل بنيانُ القصورِ على الجسورِ.

وقال: حقيقةُ المحبةِ لا تَزِيدُ بالبرِّ ولا تنقص بالجفاءِ.

وقال: أخوك من عَرَّفَك العيوب، وصديقُك من حذَّرَك الذنوب.

وقال: عجبٌ ممن يحزن على نقص ماله ولا يحزن على نقص عمرِه.

وقال: من قوة اليقين ترك ما ترى لما لا ترى.

وقال: الدنيا خمر الشيطان مَن سَكِر منها لا يُفيق إلا وهو في عسكر الموتى.

وقال: علامةُ الشوق فطام الجوارح عن الشهوات.

وقال: إن الله رَضِي عن قومٍ فغفر لهم السيئاتِ، وغَضِب على قومٍ فلم يقبل منهم الحسناتِ.

وقال: الدنيا بَحْرُ التَّلَف والنجاة منها الزهدُ فيها.

وقال: يا غفول يا جهول لو سمعت صرير القلم بذكرك في اللوح لمت طربًا.

 وقال: على قدر حب العبد لله يحببه إلى عباده، وعلى قدر توقيرِه لأمره يُوَقِّره خلقه.

 وقال: أعمال كالسراب، وقلوب من التقوى خراب، وذنوبٌ بعددِ التراب، ويطمع مع هذا في الكواعبِ الأتراب، هيهات هيهات ،إن هذا السكر بغير شراب!

وقال: أحسن شيء كلام صحيح من لسان فصيح.

وقال: مسكين ابن آدم،لو يخاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة.

وله درر فوائد غير هذا، ولله خرق العوائد.

 وفاته رضي الله عنه:

ومات بها سنة ثمان وخمسين ومائتين بنيسابوروقبرُه بها يُسْتَشْفَى به،فرضي الله عنه ونفعنا به ،آمين.


التقييم الحالي
بناء على 30 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث