نسخة تجريبيـــــــة
مشيخة الطرق الصوفية - منشور الشيخ عبد الباقى بن على البكرى إلى مشايخ الطرق الصوفية سنة 1881 م

أصدر رئيس الطرق الشيخ عبد الباقى بن على البكرى مجموعة من القوانين والتنظيمات الشاملة الرامية إلى وضع قرار الخديوي موضع التنفيذ. وقد شمل هذا المنشور تصنيف بعض الممارسات الإدارية التي كان لها تأثير مباشر على تنظيمات الطقوس التي وجدت في غالبية البنود التي وضعت.

وينطبق هذا على النصف الأول من المادة 2 التي تنص على منع إقامة الموالد وغيرها من الاحتفالات الدينية الأخرى بدون تصريح من البكرى أو من نوابه.

وكذلك نجد أن المادة رقم 15 تشير مرة أخرى إلى ضرورة الانتماء لطريقة واحدة فقط ، بينما المادة رقم18 تشير إلى ضرورة تواجد شيخ مسئول مسئولية كاملة أي خليفة معتمد من البكرى.

ويبدو أن هاتين المادتين كان يقصد  بهما بصفة خاصة تدعيم مراكز السلطة المحلية للخلفاء الذين كان ينظر إليهم على أنهم مسئولون تمامًا عن تنفيذ معظم الترتيبات المتبقية شأنهم في ذلك شأن وكلاء البكرى.

ويبدو لنا من المادة 10 والمادة13 أن هؤلاء الخلفاء قد حصلوا على سلطات تنفيذية مستقلة أكبر من ذي قبل كنتيجة حتمية للتوسع في الأماكن التي خضعت للسلطان القضائي للبكرى.

أما بقية المواد فكانت تضم القيود التي أثرت على هوية كافة الطرق الصوفية تقريبًا فبالنسبة للسعدية والعيسوية والرفاعية والقاسمية على سبيل المثال نجد أن منع استخدام السيوف وأكل الفحم المشتعل والثعابين والحيات والزجاج المادة رقم3 كان له نتائجه. كذلك نجد أن منع قيام أي شخص بضرب نفسه بالكرات الحديدية وهى الممارسات التي كان يقوم بها قائد الحضرة في الطريقة الحندوشية قد قضى على أحد العناصر الرئيسية التي تتميز بها طقوس هذه الطريقة.

والمادة رقم 18 التي تنص على منع الغناء أثناء الحضرة قد أحدثت تأثيرًا شديدًا على كافة الطرق نظرًا لأن الغناء يعتبر من الطقوس الدينية التي تشترك فيها معظم الطرق الصوفية. فكل طريقة تقريبًا كانت لها أناشيدها الخاصة بها والتي تغني أثناء الحضرة. وفي كثير من الطرق كانت الأغاني تنشد قبل الحضرة وبعدها وكانت بمثابة العنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الطقوس الدينية.

وكذلك نجد أن المادة رقم 1 والتي نصت على فرض القيود على ذكر الله ومديحه قد أثرت على العديد من الطرق لأن هذا كان معناه منع الابتهال للنبي وللمشايخ المقدسين أثناء الحضرة ، بل ومنع الابتهال لله وذكر اسمه عن طريق أخذ نفس اهتزازي قصير أو عن طريق ما يسمى بعزم الصدر وهو لفظه «آه» التي تتميز بها معظم الطرق الشاذلية.

بل ولم يعد يسمح لبعض هذه الطرق بممارسة الطقوس الخاصة المميزة لها (المادة رقم26) والتي كانت تميزها وتحدد هويتها وتبرر وجودها. فالعروسية كانت لها طقوس خاصة بها تسمى ذكر المناولة، أو الذكر التبادلى حيث كان المشاركون فى هذا الذكر يرتدون عباءات طقوسية بيضاء خاصة بهم ويقفون في صفين في مواجهة بعضهم البعض وينحنون نحو بعضهم البعض في دورات مما يعطي للمجموعة بأكملها حركة الأمواج المرفرفة. وكانت للعيسوية طقوسها الدينية المعقدة حيث يقفز المشاركون فيها في المرحلة التي تسمى «الرباني» لأعلى ولأسفل من قدم لأخرى فتأثرت هذه الطقوس بالقرارات الجديدة.

وفي حضرات الطرق الشاذلية بل وفي حضرات غالبية الطرق الأخرى كانت تستخدم أنواع الطبول المختلفة. وفي بعض الطرق كانت هذه الطبول- علاوة على كونها أدوات وآلات لها وظيفة محددة في طقوس الطريقة- لها أشكال وأحجام متميزة مما كان يجعلها بمثابة رموز لهذه الطرق. ولذلك فإن منع استخدام هذه الأدوات والطبول في جميع المناسبات (المادة رقم5)- باستثناء بعض الطبول الخاصة في داخل التكايا- كان معناه حرمان الطريقة التي تستخدم هذه الأدوات من هويتها.

بل ونصت المادة رقم17 على عدم السماح لأعضاء الطرق المشاركة في المواكب بحمل أي شيء معهم باستثناء الأعلام الخاصة بهم. وهذا معناه أن الظهور بالأدوات  والمعدات المميزة لطريقة ما مثل الآلات الموسيقية والسيوف والمجمرات والكوانين والمشاعل والعصى كان ممنوعًا.

وعلاوة على ذلك فإن الاحتفال بالموالد التي لم يسبق الاحتفال بها كان ممنوعًا (المادة 2 والمادة10) كما نصت المادة رقم 22 على إلغاء الموالد التي بديء الاحتفال بها خلال العشر سنوات المنصرمة.

وكانت المعاني المتضمنة في هذا المنع تذهب إلى ما هو أبعد من فرض القيود على تكريم عدد من المشايخ المنتقلين إلى رحمه الله. إذ كانت تقصد إلى فرض القيود على عدد المناسبات التي تظهر فيها الطرق نفسها أمام المجتمع العريض والتي تصل فيها الطريقة إلى الحقيقة القصوى بالنسبة لأولئك المنضمين إليها حيث ينتظم الموتى والأحياء في وحدة شاملة. وكان هناك اعتقاد راسخ بأن الرحمة والأخلاق الفاضلة تنشأ عن مجرد المساهمة في هذه المناسبات. ولذلك فإن المنع كان يمارس ليس فقط من حيث هو قيود على  عدد من المناسبات التي يمكن الحصول منها على الرحمة وإنما كتحديد أيضًا على التدفق الذي ينساب من الرحمة في حد ذاتها. بل وكان بمثابة تحريم ومنع تكريم الأشخاص الذين يمكن الحصول على الرحمة من خلالهم، سواء أكانوا أحياء أم موتى نظرًا لمساهمتهم في التدفق الإلهي للرحمة. ولذلك فمن وجهة النظر هذه فإن منع الاشتراك في المناسبات الدينية يعتبر بمثابة منع المساهمة في الرحمة ذاتها.

وبالإضافة إلى هذه التنظيمات والقوانين كانت هناك ثلاثة قوانين أخرى تفرض القيود على الاستقلالية الداخلية لرؤساء الطرق وهو أمر ليس له سابقة في تاريخ التصوف. فقد نصت المادة 13  على أن الشكاوى المتعلقة بشئون طريقة ما لايمكن أن تفحص إلا عن  طريق البكرى أو عن طريق وكلائه ، وبذلك حصل وكلاء البكرى على سلطات تنفيذية كبيرة ومستقلة. كما أن حق رئيس الطريقة في توقيع العقاب الرادع على موظفى الطريق بإيقافهم عن العمل قد سحب منه أيضًا وأصبح لزامًا عليه أن يقدم للبكرى الدوافع التي تسلتزم الإيقاف المقترح. وإما أن يصدق البكرى على الإيقاف أو يعقد محاكمة لفحص جوانب القضية حتى يتمكن من اتخاذ قرار بشأن الجزاء الملائم (المادة 11).

وعلاوة على ذلك فإن سلطة رؤساء الطرق قد تقوضت بسبب ما ورد بالمادة رقم 9 التي سحبت منهم حق معاقبة الخلفاء عن طريق أخذ العدة الخاصة بهم ولابد أن هذا العقاب كان فعالًا للغاية نظرًا لأنه كان يحرم الخليفة من الرموز التي تدل على وقاره ومنزلته الرفيعة. إذ كان هذا من شأنه أن يعوق الخليفة في أنشطته بشكل خطير ويؤثر على دخله المالي حيث يتعذر عليه قبول الدعوات لكي يسير مع الأعلام في مواكب الختان والزواج والجنازات في مقابل أجر مالي ، كما يتعذر عليه إقامة حضرة في مقابل أجر مالي أو عيني بناء على طلب أي شخص غير مرتبط بطريقة. وعلاوة على ذلك فإن الدخل الذي اعتاد الخلفاء على الحصول عليه بهذه الطريقة قد تعرض للخطر بسبب منع اشتراك الطرق في المواكب سالفة الذكر وفقًا لما ورد في المادة رقم24، كما أن الفقرة الأخيرة من المادة رقم9 قد حرمتهم من مورد آخر للدخل حيث منعتهم من تأجير أو رهن أجزاء من العدة الخاصة بهم لأشخاص لا ينتمون لطريقتهم.

وفي أوائل عام 1881 تم إرسال منشور متضمن لهذه القوانين والتعليمات إلى رؤساء الطرق. وحتى ذلك الوقت كان من صالحهم الاعتراف بسلطة البكرى عليهم. إذ كانت سلطة البكرى تتميز بالاعتماد على المؤسسات الحكومية فأسهم هذا في حماية مصالح رؤساء الطرق إلا أن هذه المؤسسات الحكومية أصبح عليها أن تراقب تنفيذ مجموعة من القوانين التي تنتهك الأسلوب المعياري الذي تتميز به الطرق. فرد رؤساء الطرق على هذا بأن فصلوا أنفسهم عن إدارة الطرق وأصبحت النزاعات حول الخلافة وازدواج العضوية والحقوق في تنظيم احتفالات مولد معين تجد لها الحل تدريجيًا بطريقة غير رسمية وبدون الرجوع إلى البكرى وبالتالي بدون اللجوء إلى الموظفين الحكوميين.

 


 

نص
المنشور الصادر من الشيخ عبد الباقى بن على البكري
إلى جميع رؤساء الطوائف الدينية ، سنة 1881 م

لكي يقترب الإنسان من الله ينبغي عليه أن يكون تقيًا ورعًا ويجب عليه أن يحجم عن كافة الأمور الدنيوية المؤدية إلى الشر. ويمكن للإنسان الوصول إلى هذا الهدف عن طريق الالتزام الشديد بمباديء الدين الإسلامي الحنيف والابتعاد عن البدع واستهجانها. وتحقيقًا لذلك ورغبة منا في تجنب كل ما قد يسيء إلى ديننا الحنيف فقد أصدرنا هذا المنشور الموجه إلى كافة الطوائف الدينية المختلفة داعين الله سبحانه وتعالى أن يرشدنا إلى الطريق القويم.

المادة رقم 1:

ينبغي أن يتم الذكر في جو من الوقار والاحترام والهدوء لأن الإنسان ينبغي أن يركز ذهنه على عظمة الله أثناء الحضرة. ويجب على الإنسان أن يحجم عن السلوك السيء وعن كل ما يتعارض مع الدين مثل النكات وإلقاء كلمات غير لطيفة وغير ذلك من الأمور غير اللائقة وباختصار ينبغي أن يكون الذكر مقصورًا على مدح الله وشكره وثنائه. ولذلك فإن كافة أنواع البدع المتمثلة في الأسواق والمعارض والمواكب...إلخ قد ألغيت.

المادة رقم 2:

يمنع منعًا باتًا إقامة المعارض والاحتفالات في المدن والقرى بدون الحصول على تصريح من شيخ السجادة البكرية أو من نائبه الذي سيقوم بمنح التصريح اللازم في حالة وجود سابقة لإقامة مثل هذا المعرض أو الاحتفال، وبشرط أن يتم التنفيذ بطريقة مهذبة وتقتصر فقط على الصلوات وتلاوة القرآن الكريم.

المادة 3:

يمنع منعًا باتًا استخدام السيوف وأكل الفحم الحي والثعابين والزجاج وضرب الإنسان لنفسه بالقنابل وغير ذلك أثناء المواكب العامة أو المعارض.

المادة 4:

ينبغي أن يقتصر حمل الأعلام والرايات على الرجال والشباب المنتمين لإحدى الطوائف ويمنع الأولاد من حمل هذه الأعلام والرايات.

المادة رقم 5:

يمنع الدق على الطبول في المواكب وغيرها من الأمور المشابهة سواء بالليل أو بالنهار ويسمح بذلك في داخل التكيات فقط على أن يتم ذلك في ليلة الاحتفال بمولد المشايخ فقط.

المادة رقم 6:

يحظر عقد اجتماعات دينية في الشوارع العامة وإنما تعقد في داخل بيوت المشايخ وبيوت نائبيهم، وينبغي أن تعقد هذه الاجتماعات في جو يسوده الوقار والاحترام والتبجيل.

المادة رقم 7:

تقتصر الموالد على الصلوات على النبي وتلاوة القرآن الكريم مثلما هو الحال بالنسبة للمولد النبوي الذي يتم بالقاهرة.

المادة رقم 8:

لا تقام موالد أو احتفالات في الأماكن السيئة السمعة سواء بالليل أو بالنهار ولا تقام في تلك الأماكن الصلوات.

المادة رقم 9:

لا يسمح لشيخ أو نائبه أن يأخذ من أي خليفة أية أعلام أو طبول أو خيام أو مصابيح قام بصنعها. كذلك لا يسمح لأي خليفة أن يؤجر أو يعير مثل هذه الأشياء وإنما تستخدم هذه الأشياء بمعرفة الطائفة التي ينتمي إليها الخليفة فقط.

المادة رقم 10:

لا تقام احتفالات تكريمًا لأي شيخ ما زال على قيد الحياة أو تكريمًا لشيخ متوفى اللهم إلا إذا كان الاحتفال قد تم تنفيذه من قبل. ولا يتم أي احتفال بذكرى أي شيخ إلا بعد الحصول على إذن بذلك من شيخ السجادة البكرية أو نائبه.

المادة رقم 11:

ليس من حق أي شيخ ينتمي لإحدى الطوائف إيقاف أي نائب من نوابه سواء في القاهرة أو في القرى بدون أن يعرض علينا الدافع والمبررات الخاصة بهذا الإيقاف ولا يتم الإيقاف إلا بعد صدور القرار من المحكمة التي قد تعقد للنظر في هذا الأمر.

المادة 12:

لا يسمح لأي شيخ أو أي نائب من نوابه أن يتدخل في شئون شيخ آخر.

المادة 13:

لا يستطيع أي شيخ أو أي نائب من نوابه أن يتقدم بشكوى تتعلق بشئون طائفته إلا عن طريق الشيخ العمومي أو نوابه خارج القاهرة.

المادة 14:

يمنع منح الحملية (السقايين) أو (حاملي المياه) شهادات من أي طائفة من الطوائف ويكفي انضمامهم لنقابة حرفية.

المادة 15:

لا يستطيع شخص منتمي لطائفة أن يتركها ويدخل في طائفة أخرى. والشيخ الذي يقدم له الطلب يجب أن يتحقق أولًا من أن مثل هذا الشخص قد حصل على الإجازة ويستأمنه على أسرار الطريقة الجديدة بعد أن يحصل منه على حلف اليمين اللازم لذلك. ولكن إذا اتضح فيما بعد أنه غير جدير فإنه يطرد من كلتا الطائفتين ، ويجب ألا تسمح أي طائفة أخرى بانضمامه إليها.

المادة 16:

لا ينبغي على الخلفاء أن يسيروا في المواكب الاستعراضية بالشوارع في يوم عاشوراء.

المادة 17:

ينبغي أن تدار جميع المواكب بنظام شديد تام ولا يسمح بحمل أي شيء باستثناء الأعلام والرايات.

المادة 18:

ينبغي أن تدار جميع حلقات الذكر التي تتم في المعارض والمهرجانات في جو من الاحترام والتبجيل أثناء حضور شيخ مسئول مسئولية تامة. ولا يستطيع أي شيخ غير مسئول الإشراف على أي «ذكر» ، وإذا حاول ذلك يستعرض للعقاب. ويسمح بالصلوات والأدعية وتمنع الأغاني.

المادة 19:

يمنع من الآن تمامًا اشتراك «المداحين» في الاحتفالات الدينية.

المادة 20:

لا يسمح للمسئولين عن أحواش المقابر بأن يأذنوا للرجال والنساء بالتقابل في أيام الجمعة في المقابر، وينبغي عليهم أن يحددوا ساعات خاصة لكل جنس على حدة.

المادة 21:

لا يسمح بإقامة مقاه في أماكن العبادة أو في المقابر.

المادة 22:

تلغى كافة المواكب والاحتفالات التي لم تبدأ إلا في خلال العشر سنوات الماضية.

المادة 23:

تلغى اعتبارًا من اليوم «الدوسات» في جميع المعارض والاحتفالات.

المادة 24:

لا تقام مواكب تتألف من الطوائف المختلفة سواء في احتفالات الزواج أو في احتفالات الختان.

المادة 25:

يحظر الدق على الطبول أثناء الذكر في حالة حضور النساء.

المادة 26:

حلقات الذكر التي تقيمها الشاذلية يجب أن تسير على نفس المباديء التي تسير عليها حلقات الذكر الأخرى.

المادة 27:

يجب أن تتم المعارض والاحتفالات والمواكب وفقًا لهذه القواعد والمباديء.

المادة 28:

جميع أولئك المخبولين والذين يطلقون شعرهم ويدعون أنهم قديسون يجب أن يلقي القبض عليهم بمعرفة الشرطة ويرسلوا إلى المستشفى أو إلى مستشفى الأمراض العقلية.

المادة 29:

لا يسمح لأي شيخ على أي طائفة أن يعطي العهد لأي شاب لا لحية له ويدخله إلى أسرار طائفته، فالرجال الملتحون هم فقط الذين يدركون مفاهيم دينهم.

المرجع : فريد عبد الرحمن دي يونج، تاريخ الطرق الصوفية في مصر في القرن التاسع عشر، ترجمة: عبد الحميد فهمي الجمال، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،  1995م، ص 96-100، 195-201.

 


التقييم الحالي
بناء على 51 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث