نسخة تجريبيـــــــة
مشيخة الطرق الصوفية - المحضر الخاص بتحديد مجالات السلطة لكل من شيخ السجادة البكرية محمد أفندي البكري وشيخ الأزهر إبراهيم البيجوري

 

في عام 1263 هـ/ 1847 م تم عقد اتفاق بين محمد البكري وشيخ الأزهر إبراهيم الباجوري، ترتب عليه توسيع الفجوة بين العلم والتصوف، وهي الفجوة التي خلقها فرمان عام 1812، ففي المنازعات التي تضم أعضاء في طريقة ما أو تضم أشرافًا، يكون للبكري وحده سلطة النظر في الدعاوى والفصل فيها، وأيضًا إذا كان أحد الأطراف مرتبطًا بالأزهر، ولكن إذا كان جميع أطراف النزاع ليست لهم علاقة بأية فئة من هذه الفئات، يكون المختص في الفصل في النزاع هو شيخ الأزهر أو شيخ الرواق أو المذهب للمتهم.

ووافق الباجوري أيضًا على الامتناع عن التدخل في شئون الزوايا والأضرحة ومشيخة المقارئ، والامتناع عن الاستجابة للطلبات التي تقدم له من أجل التحكيم، والتدخل في الأمور التي لها علاقة بالطرق.

ولقد حدث هذا الوضع بالفعل قبل التوقيع على هذا الاتفاق بوقت قصير، عندما وقف شيخ الأزهر مع أحد طرفي النزاع في داخل نطاق البيومية؛ حيث كان كل طرف منهما يساند مرشحًا لتولي منصب شيخ الطريقة البيومية، عقب وفاة محمد نافع شيخ هذه الطريقة.

وأخيرًا، حصل على هذا المنصب عبد الغني الملواني «1292- 1875»، وهو المرشح المفضل لدى  الجانب الذي كان يلقى التأييد والمساندة من شيخ الأزهر، ولكن النزاع والخلاف في الرأي نشأ بين شيخ الأزهر والشيخ البكري؛ حيث كان البكري يساند المرشح الآخر المنافس، ويبدو أن هذا النزاع كان هو الحافز الأساسي نحو عقد الاتفاق، ولم يكن هذا النزاع هو السبب المباشر؛ فإن هذا الاتفاق كان يهدف إلى منع تكرار مثل هذه المنازعات في المستقبل.

وكان تدخل شيخ الأزهر في قضية العنانية سنة 1886 م (راجع: @السجاجيد الشريفة - العنانية - مدخل عام@) وكذلك في قضية الشاذلية تحت قيادة الحصافى قبل ذلك بعامين تقريبًا سنة 1884 (راجع: @الشاذلية - فروعها - الحصافية الشاذلية - مدخل عام@) بمثابة خرق لاتفاقية عام 1847 .

وهذا يوحي لنا بأن هذه الاتفاقية قد أصبحت من الناحية الواقعية ملغاة كما يدل هذا على العلاقة المتغيرة التي حدثت بين إدارة الطرق وبين الوكالة الحكومية بالدولة. وهذا التغير يرجع أساسًا إلى إعادة تنظيم الإدارة الحكومية في الدولة في مطلع الاحتلال البريطاني لمصر في عام 1882 مما أعطى للإدارة الحكومية كفاءة عالية للغاية فأدى ذلك بدوره إلى تضاؤل أهمية إدارة الطرق الصوفية في مواجهة الدولة ووكالاتها ومن المؤكد أن الوكالات الحكومية قد توقفت تمامًا عن تدعيم إدارة الطرق حتى عندما كان هذا- كما هو في الحالات سالفة الذكر- التدعيم وثيق الصلة بالحفاظ على حقوق القدم.

 

نص المحضر الاتفاق بين الشيخ البكرى وشيخ الأزهر 1263 هـ/ 1847 م :

بسم الله الرحمن الرحيم. والشكر لله العظيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. ففي يوم الأحد المبارك الموافق 19 شعبان من عام 1263 تم عقد اجتماع عند الشيخ الأعظم السيد: البكري نقيب الأشراف الحالي وحضر هذا الاجتماع كل من: شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم البيجوري، وصاحب المعالي فخر العلماء شيخ المالكية محمد حبشي، وصاحب المعالي الواسع المعرفة الشيخ محمد التميمي المغربي، والشيخ المبجل الشهير الشيخ عثمان السادي، والشيخ العلامة علي خليفة، وصاحب المعالي الشيخ أحمد مينا.

وقد تم الاتفاق بين هؤلاء جميعًا وبين صاحب المعالي الشيخ إبراهيم البيجوري سالف الذكر قبل قراءة الفرمان السامي بتعيينه على مسجد الأزهر على أنه في أفضل حالة وفي أحسن درجات النضج والكمال التي يتطلبها منصب شيخ الأزهر بما يتمشى مع موقف السلف، وأن ذلك سيكون متمشيًا مع المباديء المعروفة للجميع ومتوافقًا مع كافة السلطات وبدون إعاقة للشئون التي لا تدخل ضمن اختصاصات مسجد الأزهر مثل تلك المتعلقة بالزوايا والفقراء (أي أعضاء الطرق الصوفية) الذين يخضعون لسلطة حضرة صاحب السعادة السيد/ البكري مثال ذلك قراءة القرآن في الزوايا ومشيخة المقاريء ومكاتب المشرفين على الأضرحة (خلافات الأضرحة) مثل تلك الخاصة بالسيد/ البدوي ورؤساء الطرق، فينبغي عليه أن يحولها إلى القاضي الخاص بها سالف الذكر، فهو الذي يتوسط ويصدر الحكم طبقًا للمباديء سالفة الذكر. أما البت في الأمور الهامة فينبغي أن يتم بعد استشارة رؤساء الأزهر. أما الحالات المتعلقة بالطلبة (المجاورون) فإنها تحال إلى مشايخ أروقتهم أو تحال إلى شيخ المالكية إذا كان الطالب مالكيًّا أو إلى شيخ الحنفية إذا كان الطالب حنفيًّا أو تحال إلى شيخ الشافعية إذا كان الطالب شافعيًّا طبقًا للمباديء التي صدر بها قرار من الديوان وذلك حتى يشعر كل فرد بالاطمئنان والتحرر من القلق طالما أن أحدًا لن يتعدى على آخر. وينبغي عليه أن يعطي اهتمامًا كبيرًا بكل ما هو متعلق بمصالح المسجد و«المشدون» والعساكر والقائمين على خدمة الطلبة (المجاورون). فلا أحد من هؤلاء سيستمر في عمله إلا إذا كان صالحًا لتأدية هذه الخدمة المحترمة وعلى النحو الذي تنشده السلطة المشرفة، وذلك لكي لا يقترب من سيادته سوى أناس يتميزون بالكمال والمعرفة والتقوى.

ويرفع الحاضرون في هذا الاجتماع هذا البيان المتعلق بسيادة إبراهيم البيجوري إلى السيد نائب الوالي على مصر أدام الله مجده للأبد. وهم يقرون بما ورد في هذا المحضر فيما يتعلق بكمال المعرفة والعمل الصالح والتقوى والنضج، وقد أكد فضيلة الشيخ بأنه ملتزم بكل ما ورد في هذا البيان ونسأل الله أن يوفقه ويوفقنا جميعًا إلى ما فيه الخير ببركة سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا الإمام الشافعي وببركة جميع أولئك المنتمين لبيت النبي ×.

 

المرجع : فريد عبد الرحمن دي يونج، تاريخ الطرق الصوفية في مصر في القرن التاسع عشر، ترجمة: عبد الحميد فهمي الجمال، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،  1995م، ص29-30، 102 - 104 ، 190-193.


التقييم الحالي
بناء على 28 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث