نسخة تجريبيـــــــة
مشيخة الطرق الصوفية - لائحة الطرق الصوفية المعدلة لعام 1903 م

وفي نهاية عام 1895 وعقب استقالة نوبار باشا وتشكيل مصطفى فهمى حكومة جديدة بذل محمد توفيق البكري جهودًا عديدة لتعديل التنظيمات حتى يتمكن من الحصول على مزيد من الاستقلالية والسلطة. وكانت التعديلات التي اقترحها تهدف إلى إلغاء إشراف ديوان الأوقاف. وأراد أن يكون الإشراف على جميع التكايا والزوايا  والأضرحة والأوقاف التابعة لها وجميع الأوقاف المخصصة للصوفية من اختصاصه وحده. بل والأكثر من ذلك أنه اقترح إلغاء دور المحافظ في انتخابات المجلس الصوفي وأبدى رغبته في أن تجرى الانتخابات مستقبلًا في قصر البكرى بدلًا من مبنى ديوان المحافظة.

وقد تجرأ وتقدم بهذا الاقتراح الأخير لأن إجراء الانتخابات في مبنى المحافظة كان يوحي بأنه يقع تحت إشراف المحافظة وهو أمر- من وجهه نظره- يقلل من هيبة منصبه كشيخ مشايخ الطرق الصوفية ومن شخصيته ذاتها. بل واقترح أيضًا أن يكون لأعضاء الطرق الصوفية المختلفة الحق في اللجوء إلى المجلس الصوفي في حالة التظلم من القرارات التي أصدرها رؤساء الطرق الخاصة بهم. والأكثر من ذلك أنه أراد أن تطبق القرارات والتوصيات التي يصدرها المجلس الصوفي على كل شخص يصف نفسه بأنه صوفي.

وافق مصطفى فهمي رئيس الوزراء والذي كان مسئولًا عن نشر وإعلان التنظيمات بصفته وزيرًا في حكومة نوبار باشا- على عدد قليل من التعديلات المقترحة. إذا كانت رغبة البكرى في السيطرة على الأوقاف الخيرية تتناقض مع سياسة مصطفى فهمي التي كانت تهدف تقليص نفوذ النظار الخصوصيين لهذه الأوقاف.

وتمشيًا مع هذه السياسة وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها البكرى لتحريك المعارضة ضد هذه السياسة نجد أن نظارة الأوقاف قد أصبحت تحت سلطة وإشراف «ديوان الأوقاف» كما احتفظ الديوان لنفسه أيضًا بالحق في تعيين رؤساء التكايا والزوايا... ليس فقط الرؤساء الذين كانوا مسئولين عن جماعة مقيمة مقصورة على أعضاء تابعين للطريقة الخاصة بهم فقط مثلما هو الحال بالنسبة لرئيس تكية النقشبندية بالقرب من الحبانية ورئيس طريقة تكية الرفاعية عند بولاق ولكن أيضًا رؤساء التكايا الذين كانوا في نفس الوقت يشغلون منصب الرئيس الأعلى في طرقهم مثلما هو الحال بالنسبة لرؤساء المولوية والجلشانية والبكتاشية. وقد أدى هذا إلى انخفاض النطاق الذي يقع تحت إشراف وسلطة محمد توفيق البكري. نظرًا لأن التعيين الرسمي عن طريق ديوان الأوقاف لرؤساء هذه التكايا- والتي كانت هى المراكز الوحيدة لهذه الطرق في مصر والأماكن الوحيدة  التي يتجمع فيها أعضاؤها محدودي العدد لتأدية أنشطة طقوسية طائفية- كان يعني أيضًا شرعية المنصب بالنسبة لهم كرؤساء على الطرق الخاصة بهم. وهكذا نرى أن هذه الشخصيات  الدينية الكبيرة أصبحوا- فيما يتعلق بشرعية منصبهم وكل ما يترتب على ذلك من مضامين- لا يعتمدون على التعيين الرسمي لهم من جانب شيخ مشايخ الطرق الصوفية وإنما كانوا يحصلون على شرعية المنصب كرؤساء على الطرق عن طريق وكالة حكومية.

وقد أدى هذا الأسلوب الجديد إلى فصل هذه الجماعات عن إدارة الطرق الصوفية ووضعها في مكان هامشي في نطاق عالم الطرق الصوفية فظلوا على ذلك النحو إلي أن تم إغلاق جميع أنواع التكايا في مصر عقب ثورة 1952.

وعقب هذه الإصلاحات تم تعديل لائحة الطرق الصوفية بما يتمشى مع الإصلاحات وكان ذلك في يونيو 1903. فجميع التكايا والزوايا والأضرحة التي تنفق عليها الأوقاف ولها رواتب ومعاشات ومدفوعات اعتيادية من أي مورد وكذلك أي مؤسسة من هذه المؤسسات لم يقم مؤسسها بوضع شروط بتعيين ناظر عليها قد استثنيت من الخضوع لسلطان مشيخة الطرق الصوفية (المادة2). وقد ترتب على هذا الإجراء أن أصبح محمد توفيق البكري بصفته شاغلًا لذلك المنصب له سلطة على عدد قليل فقط من المؤسسات المرتبطة بالطرق. ولذلك نجده في «بيت الصديق» الذي نشر في عام 1906 يشير إشارة عابرة إلى هذه المساحة من سلطته ومن المؤكد أن عدم أهمية المؤسسات التي ظلت واقعة تحت سلطته هو الذي منعه من ذكر أسمائها.

وبالإضافة إلى هذا التعديل نجد أن الفقرات المتعلقة بتشكيل المجلس الصوفي قد تعدلت أيضًا (المادة3). فالجمعية العمومية التي كان عليها أن تنتخب المجلس الصوفي لم تعد مقصورة على رؤساء الطرق المقيمين بالقاهرة وإنما أصبحت تضم رؤساء كافة الطرق المعترف بها رسميًا بغض النظر عن المكان الذي يقيمون فيه.. ومن ثم فإن رؤساء الطرق المقيمين في المديريات قد حصلوا هم أيضًا على حق الانتخاب ، بل وحق أن يتم انتخابهم كأعضاء للمجلس الصوفي. ومن المؤكد أن هذا التعديل قد تم إدخاله بهدف إنهاء وضعهم الهامشي في نطاق إدارة الطرق نظرًا لأنهم كانوا يشعرون بأنهم غير ملتزمين بالقرارات التي يتخذها زملاؤهم بالمجلس الصوفي بالقاهرة. فهذا كان يعود بالضرر على كفاءة الإدارة وبشكل يفوق الضرر الناجم عن تعطل الإجراءات إذا كان واحد أو أكثر من أعضاء المجلس يقيمون في خارج العاصمة.

وطبقًا للتوسع في عدد رؤساء الطرق الذين لهم الحق في حضور الجمعية العمومية فإن عدد أولئك المطلوب حضورهم لجعل انتخابات المجلس الصوفي قانونية وشرعية قد رفع إلى خمسة وعشرين عضوا. بل وحدث تعديل آخر إضافي حيث لم يعد هؤلاء الرؤساء للطرق ينتخبون أربعة أعضاء دائمين وأربعة مندوبين وإنما أصبحوا ينتخبون ثمانية أشخاص من بينهم، أما اختيار الأعضاء الأربعة الدائمين بالمجلس من بين الثمانية أعضاء فقد أصبح من حق شيخ مشايخ الطرق الصوفية. ويبدو أن هذا الأسلوب في اختيار أعضاء المجلس الصوفي قد جاء كحل وسط وتسوية ما بين البكرى من ناحية الذي كان يريد أكبر قدر من الاستقلالية في ممارسته لسلطاته وبين أولئك العاملين في الإدارة الحكومية من ناحية أخرى الذين كانوا يرغبون في تخفيض نفوذ وسلطات البكرى الشخصية لأسباب تتعلق بسياسة السلطة أو لأنهم كانوا متمسكين بمبادئ قانونية عقلانية.

وبالنسبة لمحمد توفيق البكرى فإن هذا التعديل، على أية حال كان يعني تخفيف درجة القيود التي فرضت على سلطاته الشخصية من جانب أعضاء المجلس حيث أصبح بالإمكان من الآن فصاعدًا استبدال أي عضو يختلف في الرأى مع البكرى بعضو آخر من بين الأعضاء المنتخبين. ومن خلال هذا التعديل أصبحت الفرصة متاحة أمام البكرى لإعاقة تنفيذ أية سياسة يقرها المجلس وتتعارض مع آرائه الشخصية وأصبح بإمكانه الحصول على الموافقة على آرائه تحت ظل إجراءات ديموقراطية من الناحية الشكلية.

وأضيفت مادة أخرى جديدة (المادة رقم12) نصت بشكل قاطع وأكيد على عدم أخذ أجور عن القضايا التي يفحصها المجلس الصوفي أو وكلاء المشيخة أو رؤساء الطرق. ومن الواضح أن هذه المادة كان يقصد بها الحماية ضد الإجراءات غير العادلة. وفي نفس الوقت كان يقصد بها أن تكون بمثابة تدعيم لكفاءة إدارة الطرق عن طريق تشجيع أولئك المتورطين في الصراع إلى السعى نحو تحقيق تسوية من خلال عرض الصراع على المجلس الصوفي لفحصه والتوسط لحله في حالة حدوث النزاع بالقاهرة وعرضه على وكلاء المشيخة في حالة حدوث النزاع في المديريات والمحافظات. والمهمة الأخيرة التي كانت في يوم ما من مهام الوكيل من الناحية التقليدية قد صيغت بوضوح شديد وبشكل محدد في المادة رقم 13.

والمادة رقم 12 المشار إليها أعلاه كانت تتضمن فقرة تنص على عدم دفع أجور من أجل التعيين في المناصب المختلفة في نطاق الطرق وإدارة الطرق. إلا أنها في هذه الحالة وكذلك في حالة الوساطة أو النظر في الدعاوى والفصل فيها كانت تعني فقط أن الأجور الرسمية كانت غير ملائمة وغير قابلة للتطبيق. ولكنها لم تكن تعني أنها لها أية علاقة بالنسبة لتقبل الأموال أو البضائع على شكل هدايا أو كشرط أساسي بالنسبة لأي شخص على وشك أن يتم تعيينه في أي منصب في نطاق هيئة الطرق.

وعلاوة على هذا التعديل وبعض التغييرات القليلة في المصطلحات الفنية فإن البكرى تمكن من إدخال إضافتين كبيرتين على هذه التنظيمات الجديدة. الإضافة الأولى (المادة رقم13) تنص على أن أي عضو في طريقة سواء أكان مريدًا أو خليفة أو موظفًا كبيرًا له الحق في اللجوء إلى المجلس الصوفي في حالة اعتراضه على القرارات التي أصدرها شيخ طريقته. فتخفيض السلطة الداخلية لمشايخ الطرق كان يؤدي حتما إلى تزايد سلطة البكرى حيث كان هذا يفتح الطريق أمام تدخله المباشر في الشئون الداخلية للطرق المختلفة.

أما الإضافة الثانية (المادة رقم5) فقد نصت على أن جميع القرارات الصادرة عن المجلس الصوفي تنطبق على أي شخص أو أي جماعة تعمل بأية وسيلة تحت اسم التصوف. إذ أعطى هذا النص أساسًا قانونيًا لممارسة السلطة على أولئك الذين ينتمون لطرق غير معترف بها رسميًا بدون تغيير وضع هذه الطرق. والطرق الواقعة في نطاق هذه النوعية كانت تشمل فروع النقشبندية والشاذلية والخلواتية بالإضافة إلى التيجانية والسنوسية.

 

 
 لائحة الطرق الصوفية المعدلة لعام 1903

المادة رقم 2:

إن إقصاء مشايخ الأضرحة والتكايا والسجاجيد وإجراء التعيينات في المناصب التي تخلو بإقصائهم سيكون على النحو التالي:

أولًا:بالنسبة للتكايا والأضرحة التي ليس لها دخول ولا مرتبات سواء من ديوان الأوقاف أو من الحكومة وأيضًا بالنسبة للسجاجيد فإن الإقصاء والتعيين الجديد بالمناصب الخالية سيتم بمعرفة المجلس الموصوف في المادة الثالثة.

ثانيًا:بالنسبة للتكايا والأضرحة التي لها دخول أو مرتبات من ديوان الأوقاف أو من الحكومة مهما كان حجم هذا الدخل والمرتب، فإن هذا الحق سيمارس وفقًا لما هو منصوص عليه في تنظيمات ديوان الأوقاف الصادرة بقرار من الخديوي في 13 يوليو 1895.

ثالثًا:بالنسبة للتكايا والأضرحة التي لها نظار معينون تعيينًا قانونيًا فإن تعيين شيخ عليها سيكون متمشيًا مع ما هو منصوص عليه في التنظيمات التي وضعها الشخص المانح للوقف (شرط واقف) فالتعيين سيكون وفقًا لهذا الشرط.

المادة 3:

المجلس سالف الذكر سوف يتكون من شيخ مشايخ الطرق المعين بمعرفة الخديوي رئيسًا للمجلس وأربعة أعضاء من مشايخ الطرق ينتخبهم الرئيس من بين ثمانية أشخاص من مشايخ الطرق الذين ينتخبوا بمعرفة جمعية عمومية حضرها 35 شخصًا على الأقل من بين مشايخ الطرق بأغلبية الأصوات (وستتم الانتخابات في ديوان محافظ القاهرة تحت رئاسة السيد/ محافظ القاهرة).

أما باقي هذه المادة فهو طبق الأصل من المادة رقم 3 من اللائحة لعام 1895.

المادة رقم 5:

إضافة: كافة القرارات الصادرة من المجلس التي تمنع وتحرم شيئًا ما أو تسمح بشيء ما بما يتوافق مع القانون سوف تنطبق على كل شخص يصف نفسه بأنه صوفي (بعنوان الصوفية).

المادة رقم 12:

لا تحصل أية مصاريف على الإطلاق عن القضايا التي يبحثها المجلس الصوفي أو وكلاء المشيخة (أي وكلاء مشيخة الطرق الصوفية أي وكلاء البكري) أو رؤساء الطرق. ولا تحصل أيضًا أية مصاريف أو رسوم مالية من أجل التعيين في أي منصب مهما كانت طبيعته.

المادة رقم 13:

الصراعات المتعلقة بالصوفية والتي تنشأ بين أعضاء منتمين لنفس الطريقة سينظر فيها شيخ تلك الطريقة. وللأطراف المتصارعة الحق في اللجوء إلى المجلس الصوفي سالف الذكر بالمادة رقم 3. وإذا كانت الصراعات بين أعضاء ينتمون لطرق مختلفة فإن بحث هذه الصراعات يكون من اختصاص المجلس الصوفي في حالة حدوث الصراعات بالقاهرة. أما إذا حدثت مثل هذه الصراعات في المديريات والأقاليم، فإن وكلاء المشيخة هم الذين ينظرون ويبتون فيها. وللأطراف المتنازعة الحق في اللجوء إلى المجلس الصوفي.

المادة رقم 14:

أما الدعاوى المتعلقة بالصوفية والتي يرفعها أعضاء الطرق ضد أحد المشايخ فيكون النظر فيها وتسويتها عن طريق المجلس الصوفي وحده.

5 ربيع الأول 1321

ا يونيو 1903

مصطفى فهمي

(ملاحظة : المواد المذكورة فى اللائحة المعدلة، هى المعدلة والمضافة فحسب، وتبقى سائر المواد كما هى فى اللائحة السابقة الصادرة سنة 1895م).

المرجع : فريد عبد الرحمن دي يونج، تاريخ الطرق الصوفية في مصر في القرن التاسع عشر، ترجمة: عبد الحميد فهمي الجمال، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،  1995م، ص 136-141، 209-211.


التقييم الحالي
بناء على 53 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث