نسخة تجريبيـــــــة
الشيخ المجاهد العالم العامل بديع الزمان النورسي

الشيخ المجاهد العالم العامل بديع الزمان النورسي، هو من هو علمًا ومكانة في تاريخ تركيا الحديثة، التي شهدت -وما تزال تشهد- تطورات خطيرة منذ بداية القرن العشرين، وما تزال آثاره حتى الآن يتفاعل معها المجتمع التركي المعاصر، الذي يلقى الألاقي في عهود العلمانية والعلمانيين الذين انسلخوا من دينهم، وحاربوا شعوبهم في عقيدتهم وقيمهم وأخلاقهم.

الولادة والنسب:

ولد المُلا سعيد النورسي في عام (1294هـ - 1877م) ، في قرية «نورس» الواقعة في جنوب شرقي تركيا «كردستان تركيا»، ومنها أخذ لقبه، ومن حروف اسمها «نور» أخذت دعوته وكتاباته اسمها: دعوة النور ورسائل النور، وقد ولد في أسرة دينية لأبوين اشتهرا في القرية بورعهما، وكتب له أن يكون أحد أبرز علماء الإصلاح الديني والاجتماعي في العصر الراهن.

اسم والده: ميرزا بن علي بن خضر بن ميرزا خالد بن ميرزا رشان من عشيرة أسباريت، وكان والده صوفيًّا ورعًا يُضرب به المثل، لم يذق حرامًا، ولم يطعم أولاده من غير الحلال، حتى إنه إذا ما عاد بمواشيه من المرعى شدَّ أفواهها لئلا تأكل من مزارع الآخرين.

أما والدته، فاسمها: نورية بنت مُلا طاهر من قرية بلكان، وهي من عشيرة خاكيف، والعشيرتان من عشائر قبائل الكرد الهكارية في تركيا، وعندما سُئِلَت والدته: ما طريقتك في تربيـة أولادك حتى حازوا هذا الذكاء النادر؟ أجابت: «لم أفارق صلاة التهجد طوال حياتي إلَّا الأيام المعذورة شرعًا، ولم أرضع أولادي إلَّا على طهر ووضوء».

نشأته وحياته العلمية:

لم تكن حياة سعيد النورسي إلا ملحمة من الوقائع والأحداث، التي وضع جميعها في خدمة القرآن العظيم وتفسير نصوصه، وبيان مرامي آياته البينات، ضمن رؤية تبلورت مع الزمن ومع أطوار رحلة العمر، وكانت غايتها النهائية بث اليقظة، وإعادة الحياة والفعل للأمة الإسلامية بعد طول رقاد.

ونستطيع تمييز مرحلتين في حياة الإمام سعيد النورسي:

المرحلة الأولى من حياته:

وتبدأ من مولده حتى نفيه إلى بلدة «بارلا» عام 1926م، وهذه المرحلة هي مرحلة الإعداد الذاتي لنفسه، ومرحلة العمل الفردي، وخوض المعارك السياسية، مدافعًا عن الخلافة، وعن القرآن والإسلام، مهاجمًا أعداء الإسلام وأعداء الخلافة والقرآن.

- وقد بدأت هذه المرحلة بالتحاقه بمجموعة من الكتاتيب والمرافق التعليمية المبثوثة في تلك النواحي من حول قريته «نورس»، وتتلمذه على أيدي المشايخ والعلماء الذين بهرهم بقوة ذاكرته، وبداهته، وذكائه، ودقّة ملاحظته، وقدرته على الاستيعاب والحفظ، الأمر الذي جعله ينال الإجازة العلمية وهو ابن أربع عشرة سنة، وسرعان ما أضحى لا يجد ما يستجيب لنهمه التحصيلي في المراكز التي يقصدها، ومن هنا كانت إقامته في تلك المراكز ظرفية، إذ كان يتوق إلى الاستزادة المعرفية الحقَّ، وظل يرتحل من مركز إلى مركز، ومن عالِم إلى آخر حتى حفظ ما يقرب من تسعين كتابًا من أمهات الكتب، كما حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر من حياته الخصبة الحافلة.

وتهيأ بعد ذلك وبفضل المحصول العلمي الجم الذي اكتسبه في طفولته المبكرة تلك، أن يجلس إلى المناظرة ومناقشة العلماء، وانعقدت له عدة مجالس تناظر فيها مع أبرز الشيوخ والعلماء في تلك المناطق، وظهر عليهم جميعًا، وانتشرت شهرته في الآفاق، وفي سنة 1314 هـ 1897م ذهب إلى مدينة «وان» الكردية، وانكبّ فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات، وعلم الفلك، والكيمياء، والفيزياء، والجيولوجيا، والفلسفة، والتاريخ ... وأمثالها من العلوم؛ وسبر أغوار هذه العلوم خلال مدة قصيرة جدًّا، وذلك بنفسه، دون معونة أحد ودون اللجوء إلى مدرس يدرّسها إياه، حتى تعمَّق فيها إلى درجة التأليف في بعضها؛ فسمّي بـ «بديع الزمان» اعترافًا من أهل العلم بذكائه الحاد، وعلمه الغزير، واطلاعه الواسع.

- في هذه الأثناء نُشر في الصحف المحلية أن وزير المستعمرات البريطاني «وليم غلادستون» قد صرّح في مجلس العموم البريطاني وهو يخاطب النواب، قائلًا: (ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكمًا حقيقيًّا، فلنسع إلى نزعه منهم)، فزلزل هذا الخبر كيانه وأقضّ مضجعه؛ فأعلن لمن حوله: (لأبرهنن للعالم، بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها).

وقرر فعلًا أن يُسَخِّر حياته كلها لخدمة القرآن، وتبيان خيره وفوائده.

- رؤيا صادقة:

ورأى النّورسيُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وسأله أن يدعو الله له أن يفهّمه القرآن، ويرزقه العمل به، فبشّره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بذلك، قائلاً له:

«سيوهب لك علم القرآن، شريطة أن لا تسأل أحدًا شيئًا».

وأفاق النورسيُّ من نومه، وكأنما حيزت له الدنيا .. بل أين هو من الدنيا، وأين الدنيا منه .. أفاق وكأنما حيز له علم القرآن وفهمه، فقد آلى على نفسه أن لا يسأل أحدًا شيئًا، استجابة لشرط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وهبه الله ما تمنَّى، وصار القرآن أستاذه ومرشده وهاديه في الدياجير التي اكتنفت تركيا الكمالية.

- سافر إلى «إسطنبول» عام 1896م ليقدم مشروعًا إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، بإنشاء جامعة إسلامية حديثة في شرقي الأناضول -بلاد الأكراد- أطلق عليها اسم «مدرسة الزهراء»؛ لتكون على غرار الجامع الأزهر في مصر، تنهض بمهمة نشر حقائق الإسلام، وتُدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية الحديثة على وفق مقولته: (ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلّى الحقيقة، فتتربّى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية).

- وفي عام 1907م سافر مرة أخرى إلى «إسطنبول» للغرض ذاته، وقابل السلطان عبد الحميد، وانتقد الاستبداد ونظام الأمن واستخبارات القصر (يلدز)؛ فأثار عليه حاشية السلطان، وأحالوه إلى محكمة عسكرية.

ثم عرض المشروع  فيما بعد على السلطان رشاد فوعده خيرًا، وفعلًا خُصص مبلغ مالي برسم ذلك، وشرع بوضع الحجر الأساس للجامعة على ضفاف بحيرة «وان»، غير أن الحرب العالمية الأولى حالت دون إكماله.

- وكان النورسي في منتهى الشجاعة في التعبير عن رأيه أمام القضاة العسكريين، ثم ذهب إلى «سلانيك»، وفي هذه المرحلة اتُّهم فيمن اتُّهم بحادثة 31 مارت (13/4/1909م) وسيق إلى المحاكمة، ورأى في الساحة خمسة عشر رجلًا معلَّقين على أعواد المشانق، ظنًّا من القضاة أن هذا المنظر سوف يرهبه .. قال له الحاكم العسكري خورشيد باشا:

- وأنت أيضًا تدعو إلى تطبيق الشريعة؟ إن من يطالب بها يُشنق هكذا (مشيرًا بيده إلى المشنوقين).

فقام بديع الزمان سعيد النورسي، وألقى على مسمع المحكمة كلامًا رائعًا، نقتطف منه ما يأتي:

(لو أن لي ألف روح لما تردّدت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام، فقد قلت: إنني طالب علم؛ لذا فأنا أزن كل شيء بميزان الشريعة، إنني لا أعترف إلا بملة الإسلام .. إنني أقول لكم وأنا واقف أمام البرزخ الذي تسمونه (السجن)، في انتظار القطار الذي يمضي بي إلى الآخرة، لا لتسمعوا أنتم وحدكم؛ بل ليتناقله العالم كله، ألا لقد حان للسرائر أن تنكشف، وتبدو من أعماق القلب، فمن كان غير مَحرم فلا ينظر إليها.

إنني متهيئ بشوق لقدومي للآخرة .. وأنا مستعد للذهاب مع هؤلاء الذين عُلِّقوا في المشانق، تصوروا ذلك البدوي الذي سمع عن غرائب «إسطنبول» ومحاسنها، فاشتاق إليها .. إني مثله تمامًا في شوقي إلى الآخرة والقدوم إليها، إن نفيكم إياي إلى هناك لا يعتبر عقوبة، إن كنتم تستطيعون فعاقبوني المعاقبة الوجدانية، لقد كانت الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد، وهي الآن تعادي الحياة، وإذا كانت هذه الحكومة هكذا، فليعش الجنون، وليعش الموت، وللظالمين فلتعش جهنم).

وفي جلسة واحدة فقط، صدر حكم ببراءة بديع الزمان سعيد النورسي من تلك المحكمة الرهيبة التي شنقت العشرات.

- أسس «الاتحاد المحمديۛ» في سنة 1909م ردًّا على دعاة القومية الطورانية، والوطنية الضيقة، كجمعية «الاتحاد والترقي»، وجمعية «تركيا الفتاة».

- انضم إلى (تشكيلات خاصة)، وهي مؤسسة سياسية عسكرية أمنية سرية، شكلت بأمر السلطان محمد رشاد قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، من أجل المحافظة على أراضي الدولة العثمانية، ومحاربة أعدائها، وكان قد انضم إلى هذه المؤسسة كثير من المفكرين والكتّاب، وكان النورسي من أنشط أعضاء قسم (الاتحاد الإسلامي) فيها، وأصدر مع عدد من العلماء (فتوى الجهاد) التي تهيب بالمسلمين أن يهبوا للدفاع عن الخلافة.

- وفي هذه المرحلة سافر إلى مدينة «وان» عام 1910م، وبدأ يلقي دروسه ومحاضراته، متجولًا بين القبائل والعشائر الكردية، يعلمهم أمور دينهم، ويرشدهم إلى الحق.

- وفي سنة 1911م سافر إلى دمشق، والتقى برجالاتها وعلمائها، وبسبب ما لمسوا فيه من علم ونجابة، استمعوا إليه في الجامع الأموي الشهير بدمشق وهو يخطب في الآلاف من المصلين خطبة حفظها لنا الزمن، واشتهرت في تراثه بـ«الخطبة الشامية». ولقد كانت تلك الخطبة برنامجًا سياسيًّا واجتماعيًّا متكاملًا للأمة الإسلامية.

وقد وصف في هذه الخطبة أمراض الأمة الإسلامية، ووسائل علاجها، وتحدث عن أخطر العلل بقوله: (لقد تعلمت الدروس من مدرسة الحياة الاجتماعية، وعلمت في هذا الزمان والمكان، أن هناك ستة أمراض جعلتنا نقف على أعتاب القرون الوسطى، في الوقت الذي طار فيه الأجانب وخاصة الأوروبيين نحو المستقبل، وتلك الأمراض هي:

أولًا:  حياة اليأس الذي يجد فينا أسبابه وبعثه.

ثانيًا: موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.

ثالثًا: حب العداوة.

رابعًا: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.

خامسًا: سريان الاستبداد سريان الأمراض المعدية المتنوعة.

سادسًا: حصر الهمة في المنفعة الشخصية.

ويتناول  النورسي الاستبداد، ويرى أن سبل ووسائل مواجهة الاستبداد هي النقاط التالية :

أولًا: الدعوة الى الحرية ونشرها بين الناس.

ثانيًا: تطبيق الشورى والديمقراطية في الحكم.

ثالثًا: الفصل بين السلطات.

رابعًا: خضوع الحاكم للمراقبة والمحاسبة.

خامسًا: الابتعاد عن الأنانية.

- وفي سنة 1912م عُيِّنَ بديعُ الزمان قائدًا لقوات الفدائيين، الذين جاءوا من شرقي الأناضول، من الأكراد خاصة.

- وفي سنة 1916م تمكنت القوات الروسية من الدخول إلى مدينة «أرض روم» التركية، وقد تصدى النورسي وتلاميذه المتطوعون للقوات الروسية، وخاضوا عدة معارك ضدها، ثم جرح النورسي جرحًا بليغًا، ونزف نزفًا شديدًا كاد يودي بحياته، الأمر الذي اضطر أحد تلاميذه إلى إعلام القوات الروسية بذلك، فاقتادوه أسيرًا، وبقي في الأسر في «قوصطرما» سنتين وأربعة أشهر، ثم تمكن من الهرب من معسكرات الاعتقال، إثر الثورة البلشفية في روسيا.

- وبعد عودته إلى بلاده في 13/8/ 1918م  كلَّفته الدولة بتسلُّم بعض الوظـائف، رفضها جميعًا إلَّا ما عينته له القيادة العسكرية، من عضوية في «دار الحكمة الإسلامية»، التي كانت لا توجه إلَّا لكبار العلماء،  فعُيِّن دون رضاه، ولم يشارك في اجتماعاتها، لما كان يحس من حاجة ماسَّة إلى الراحة بعد ما قاسى ما قاسى في أيام الأسر، فأرسل عدة مرات طلبًا يرجو فيه إعفاءه من العضوية، إلَّا أن طلبه رُفِض؛  فقد رأت حكومة الاتحاد والترقي بالإجماع، أنه أوفق شخص لتبليغ الحكمة الإسلامية إلى حكماء أوروبا بشكل مؤثر، يقول: فلبثت في «إسطنبول» لخدمة الدِّين في «دار الحكمة الإسلامية» نحو ثلاث سنوات.

- وبعد دخول الغزاة إلى «إسطنبول» 13/11/1919م أحس سعيد النورسي أن طعنة كبيرة وُجِّهَت إلى العالم الإسلامي، فكان حتمًا أن يقف في طليعة من يتصدى للقهر والهزيمة، فسارع إلى تحرير كتيب «الخطوات الست» حرَّك به همة مواطنيه، ووضع تصوره لرفع المهانة وإزالة عوامل القنوط التي ألحقتها الهزيمة بالدولة العثمانية والمسلمين عامة.

وحَكَمَ عليه الحاكم العسكري الإنجليزي بالإعدام على هذا الكتاب، وعلى نشاطه المعادي للقوات المحتلة، وأراد محبوه إنقاذه، فدعوه إلى «أنقرة» فأجابهم:

(أنا أريد أن أجاهد في أخطر الأمكنة، وليس من وراء الخنادق، وأنا أرى أن مكاني هذا أخطر من الأناضول).

- دُعِيَ إلى أنقرة سنة 1922 م، واستُقْبِلَ في المحطة استقبالًا حافلًا، ولكنه لاحظ أن أكثر النواب لا يصلّون، كما أن مصطفى كمال يسلك سلوكًا معاديًا للإسلام، فقرر أن يطبع بيانًا تضّمن عشر مواد، وجهه إلى النواب، واستهله بقوله:

(يا أيها المبعوثون .. إنكم لمبعوثون ليوم عظيم).

وكان من أثر هذا البيان الذي أُلْقِي على النواب، أن ستين نائبًا قاموا لأداء فريضة الصلاة، والتزموا الدين، الأمر الذي أغضب مصطفى كمال؛ فاستدعى النورسي، وفكّر في إبعاده عن العاصمة، فعيَّنه واعظًا عامًّا للولايات الشرقية، وبمرتب مُغْرٍ، ولكن النورسي رفض الوظيفة والراتب.

وفي هذه الفترة –أي: منذ 1922م- وُضعت قوانين واتخذت القرارات لقلع الإسلام من جذوره في تركيا، وإخماد جذوة الإيمان في قلب الأمة التي رفعت راية الإسلام طيلة ستة قرون من الزمن، فأُلغيت السلطنة العثمانية في 1/11/1922م، وأعقبه إلغاء الخلافة الإسلامية في 3/3/1924م.

وعندما كان يُسأل عمّا يعانيه من آلام نتيجة المصائب والهزائم التي لحقت بالدولة العثمانية كان يجيب:

(إنني أستطيع أن أتحمل كل آلامي الشخصية، ولكن آلام الأمة الإسلامية سـحقتني، إنني أشعر بأن الطعنات التي وجِّهت إلى العالم الإسلامي وجهت إلى قلبي أولًا؛ ولهذا ترونني مسحوق الفؤاد، ولكني أرى نورًا سينسينا هذه الأيام الحالكة بإذن الله).

- كتب النورسي ونشر في هذه المرحلة عدة كتب ورسائل، منها: «إشارات الإعجاز»، و«السنوحات»، و«الطلوعات» و«لمعات وشعاعات من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم»، وسواها باللغة العربية.

المرحلة الثانية من حياته:

- في عام 1923م غادر النورسي مدينة «أنقرة» إلى مدينة «وان»، حيث انقطع للعبادة في إحدى الخرائب المهجورة على جبل «أرك»، ولم يدر شيئًا عن الأعاصير التي تنتظره.

- قام الشيخ سعيد بيران البالوي النقشبندي 13/2/1925م بالثورة ضد الحكومة الكمالية العلمانية المعادية للإسلام، وطلب قائد الثورة من بديع الزمان استغلال نفوذه لإمداد الثورة، إلا أنه رفض المشاركة وكتب رسالة إليه جاء فيها:

(إن ما تقومون به من ثورة تدفع الأخ لقتل أخيه، ولا تحقق أية نتيجة، فالأمة التركية قد رفعت راية الإسلام، وضحّت في سبيل دينها بمئات الألوف؛ بل الملايين من الشهداء، فضلًا عن تربيتها ملايين الأولياء؛ لذا لا يُستل السيف على أحفاد الأمة البطلة المضحية للإسلام، الأمة التركية، وأنا أيضًا لا أستلُّه عليهم).

ورغم ذلك؛ لم ينجُ بديع الزمان من شرارة الفتن والاضطرابات، ولم ينج من غضب حكومة «أنقرة» التي أمرت بالقبض عليه، ونفيه مع الكثيرين إلى «بوردو» ، ووصل إليها في شتاء سنة 1926م، ثم نفي وحده إلى ناحية نائية وهي «بارلا» جنوب غربي الأناضول، ويقول عن نفسه في هذه الفترة: صرفت كل همي ووقتي إلى تدبّر معاني القرآن الكريم، وبدأت أعيش حياة «سعيد الجديد»، أخذتني الأقدار نفيًا من مدينة إلى أخرى، وفي هذه الأثناء تولدت من صميم قلبي معاني جليلة، نابعة من فيوضات القرآن الكريم، أمليتها على مَن حولي من الأشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها «رسائل النور».

- في «بارلا» بدأت المرحلة الثانية من حياة بديع الزمان، وهي المسماة مرحلة «سعيد الجديد» وقد كانت حافلة بالاتهامات والملاحقات والمطاردات والسجون والمعتقلات والمحاكمات والمنافي، مما لم يمر في حياة إنسان وهو صابر محتسب، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وفي هذه البلدة صنع له أحد النجارين غرفة خشبية صغيرة غير مسقوفة، وضعت بين أغصان شجرة الدلب العالية، حيث كان النورسي يقضي فيها أغلب أوقاته في فصلي الربيع والصيف، متعبدًا لله، متأملًا متفكرًا، وعاكفًا على تأليف «رسائل النور» طوال الليل، والناس يسمعون همهمات العالم العابد المتهجد، ولا يستطيعون الاختلاط به ومحادثته، والإفادة من علمه؛ لأن هذا محظور عليهم وسوف يكلفهم كثيرًا.

أمضى النورسي في «بارلا» ثماني سنوات ونصف السنة، ألَّفَ فيها أكثر «رسائل النور»، وهو يعاني من عدة أمراض، ولا يشتهي الطعام، بل كان يكتفي من الطعام بكسيرات من الخبز مع قليل من الحساء، ولا يقبل هدية ولا تبرعًا ولا زكاة من أحد ... فكان- كما قال عن نفسه- يعيش على البركة والاقتصاد.

وفي هذه المرحلة كان يؤلف ويكتب باللغة التركية المكتوبة بالحروف العربية، ويأمر تلاميذه بالكتابة بالحروف العربية، حفاظًا عليها من النسيان؛ فقد كان (أتاتورك) قد ألغى الكتابة بالحروف العربية، واستبدل بها الحروف اللاتينية.

وقد أسهمت النساء بنسخ الرسائل، التي كان يمليها بديع الزمان على بعض تلاميذه في غفلة من الرقباء؛ لأنه كان منفيًّا وموضوعًا تحت الرقابة، ثم يقوم هؤلاء بتهريبها إلى النساء، ليسهرن في استنساخها، ويقضين الليالي في ذلك، حتى إذا أنجزنها، سارت بها ركبان طلبة النور في طول البلاد التركية وعرضها.

ورسائل النور هذه تدعو إلى إنقاذ الإيمان، وعودة الإسلام إلى الحياة، وتنبع أهميتها من كونها تتحدث عن مواضيع متعددة، مستوحاة من آي القرآن الكريم، دينية واجتماعية وأدبية وقانونية وتشريعية وفلسفية وتصوفية وفكرية، وجد العلماء عُسْرًا في استكناه معانيها، بيد أن بديع الزمان -بتوفيق من الله- هُدِي إلى شرح عويصها ومشكلها، عارضًا إياه بأسلوب منطقي مُقنع، وطريقة جذابة محببة للعقول قبل النفوس، وفي ذلك يقول الشاعر التركي الكبير علي علوي قوروجو: (لقد بحث الأستاذ النورسي في كليات «رسائل النور» عن أمهات الموضوعات من الدين والاجتماع والأدب والحقوق والفلسفة والتصوف، ووُفّق غاية التوفيق فيها، واللافت للنظر أنه خاض عباب المسائل المستعصية المعقدة، التي وقع كثير من العلماء في تَيْه منها، وتنكّبوا الصراط القويم في جلها، فوضحها بكل يُسر وبشكل قاطع، ووصل إلى ساحل السلامة، وأوصل قراء رسائله إليها، بسلوكه طريق أهل السنة والجماعة).

ومما يؤكد قيمتها العلمية والتاريخية، أن أطروحات ورسائل، ودراسات جامعية ودراسات متنوعة كثيرة، أُنجزت حولها، إلا أنها غير كافية لِأَنْ تكشف لنا عن فكر هذا العلَّامة العميق، الذي حاول تقديم القيم والمبادئ الإسلامية الخالدة إلى الغربيين، ومن تشبّع بثقافتهم من أبناء هذه الأمة بمنهج علمي رصين، وأسلوب أخّاذ، ودلائل منطقية وعلمية محسوسة ودقيقة، أقرب ما تكون إلى الواقع المعيش.

هذا وقد تصدى بها للعلمانيين والقوميين، والسياسة الميكافيلية القائمة على التزلف والنفاق والمصالح الشخصية، تلك السياسة التي نَحَّتِ الدين جانبًا، وولََّى أصحابُها وجوهَهم نحو أوروبا، والسير في ركابها، ولهذا رأيناه في هذه المرحلة، يقف -بكل قوة- في وجه التيارات الإلحادية الشاملة، برغم ضراوة الهجمة وشراستها، وبرغم ما تعرََّض له من نفي وسجن واعتقال.

وهذا يعني، أن شعاره في هذه المرحلة: «أعوذ بالله من الشيطان والسياسة»، لا يعني أنه تخلَّى عن السياسة فعلًا؛ بل أراد به حماية تلاميذه من شرور الأشرار السياسيين، ومع ذلك، لم ينج هو ولا تلاميذه من الملاحقة والمحاكمات والسجون التي أطلق عليها النورسي وتلاميذه اسم: «المدرسة اليوسفية».

إن التهم الرئيسية التي كانت تُوَجَّه إلى بديع الزمان في المحاكمات يمكن تلخيصها فيما يلي:

1. العمل على هدم الدولة العلمانية، والثورة الكمالية.

2. إثارة روح التدين في تركيا.

3. تأليف جمعية سرية.

4. التهجم على مصطفى كمال أتاتورك.

لكنه كان يتصدى لهذه التهم بمنطق بليغ من الحجة والبرهان، حتى أصبحت هذه المحاكمات مجال دعاية له تزيد في عدد أتباعه.

وهكذا استمر الأستاذ النورسي في تأليف «رسائل النور» حتى سنة 1950م، وهو يُنقل من سجن إلى آخر ومن محكمة إلى أخرى، وهكذا طوال ربع قرن من الزمن، لم يتوقف خلاله من التأليف والتبليغ، حتى أصبحت أكثر من (130) رسالة، جمعت تحت عنوان «كليات رسائل النور»، ولم يتيسر لها الطبع في المطابع إلا بعد سنة 1954م، وكان الأستاذ النورسي يُشرف بنفسه على الطبع، حتى أكمل طبع الرسائل جميعها، وكانت تدور مواضيعها حول تفسير آيات القرآن بأسلوب علمي عصري، فقد كان صاحبها من رواد التفسير العلمي للقرآن.

- عندما أطلق سراحه في الخمسينيات، كان في السابعة والسبعين من العمر، وكان يقول لزائريه أو الذين يرغبون في زيارته:

(كل رسالة من رسائل النور تطالعونها، تستفيدون منها فوائد أفضل من مواجهتي بعشرة أضعاف).

وكان قد طلب أكثر من مرة من تلاميذه طلبة النور، أن لا يربطوا الرسائل بشخصه الضعيف، فيحطوا من قيمتها؛ لأن للإنسان أخطاء وعيوبًا قد سترها الله عليه.

كما كان يدعو تلاميذه إلى عدم التعلق به، لا في حياته، ولا بعد مماته، فذلك له أضرار جسيمة على الدعوة.

- وكان النورسي يحب أعالي الجبال، كما كان يحب أعالي الأشجار الباسقة الشاهقة، وكان يفضل الصلاة على الصخور المرتفعة، وكان يقول لتلاميذه:

(لو كنتُ في قوة شبابكم هذا، لما نزلت من هذه الجبال).

لقد كان النورسي أمَّة في رجل، وربَّى تلاميذه بالقدوة، وحياته كانت أكبر كرامة .. إنه رجل عصر المصائب والبلايا والمهالك، وقد هيأ الأدوية الناجعة للجروح الإنسانية الأبدية، وقدَّمها إليها خلال رسائله وكتبه، التي هي من نور القرآن العظيم.

جهاده وتشكيله فرقة المتطوعين:

باندلاع الحرب العالمية الأولى كان طبيعيًّا أن يهب بديع الزمان في طليعة المجاهدين، فشكل فرقًا فدائية من طلابه، واستمات معهم في الدفاع عن حمى الوطن في عدة جبهات، يقول: في أثناء الحرب العالمية الأولى، كنت مع الشهيد المرحوم المُلا حبيب، نندفع بالهجوم على الروس في جبهة «باسينلر»، فكانت مدفعيتهم تواصل رمي ثلاث قذائـف علينا في كل دقيقة أو دقيقتين، فمرَّت ثلاث قذائف من على رؤوسنا تـمامًا، وعلى ارتفاع مترين، وتراجع جنودنا القابعون في الخندق، قلت للملا حبيب للتجربة والامتحان:

ما تقول يا مُلا حبيب؟ لن أختبئ من قنابل هؤلاء الكفار. فقال: وأنا كذلك لن أتخلف عنك ولن أفارقك، فوقعت الثانية على مقربة منا، فقلت للمُلا حبيب واثقًا من الحفظ الإلهي لنا: هيا نتقدم إلى الأمام! إن قذائف الكفار لا تقتلنا، نحن لن نتدنى إلى الفرار والتخلف.

وكذا الأمر في معركة «بتليس» وفي الجبهة الأمامية منها، فقد أصابت ثلاث طلقات للروس موضعًا مميتًا مني، وثقبت إحداها سروالي، ومرت من بين رجليَّ، كنت أحمل حينها -في تلك الحالة الخطرة- حالة روحية تترفع عن النـزول إلى الخندق، حتى قال القائد گل علي والوالي ممدوح من الخلف: لينسحب، أو ليدخل الخندق فورًا! ورغم قولهم هذا، وقولي: قذائف الكفار لا تقتلنا، وعدم اكتراثي بالحذر والحيطة- فلم أحاول الحفاظ على حياتي البهيجة أيام شبابي تلك.

وفي أثناء تلك المعارك كان يعود إلى الخندق، ويُملي على طالبه النجيب الملا حبيب «تفسير إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز»، بل كان يُملي أحيانًا وهو على صهوة جواده، أو في خط الدفاع الأول، حتى أتمَّ القِسْم الأعظم من ذلك التفسير الجليل، و«المثنوي العربي النوري».

وفي المقدمة التي كتبها لـ «إشارات الإعجاز»:

(لقد تم تأليف «تفسير إشارات الإعجاز» في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى على جبهة القتال، بدون مصدر أو مرجع، وقد اقتضت ظروف الحرب الشاقة وما يواكبها من حرمان، أن يُكْتب هذا التفسيـر في غاية الإيجاز والاختصار.

ففي أثناء أداء فريضة الجهاد، كلما انتهزتُ فرصة في خط الحرب، قيَّدتُ ما لاح لي في الأودية والجبال بعبارات متفاوتة باختلاف الحالات، فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح، لا يرضى قلبي بتغييرها وتبديـلها؛ إذ ظهرتْ في حالةٍ من خلوص النية لا توجد الآن، فأعرضها لأنظار أهل الكمال، لا لأنه تفسير للتنـزيل، بل ليصير -لو ظفر بالقبول- نوعَ مأخذٍ لبعض وجوه التفسير، وقد ساقني شوقي إلى ما هو فوق طوقي، فإن استحسنوه شجعوني على الدوام، ومن الله التوفيق).

وقد كان بديع الزمان دائم الحركة في خط الدفاع الأول، خط النار، لِبَثِّ الروح المعنوية والشجاعة والإقدام في نفوس الجنود، وما كان يحتمي بالخندق، وعندما كان على صهوة جواده يندفع يمينًا وشمالًا في الصف الأمامي في خط النار، إذ بخاطر يخطر على قلبه ويحفر في روحه، فيخاطب نفسه:

(إذا استشهدتُ الآن، احذر أن يكون في موقعك هذا وأنت متقدم الجميع في خط النار، شيء من حب الظهور الذي يثلم الإخلاص، الذي هو أحد أسس مرتبة الشهادة). وعقب هذا الخاطر، عاد إلى الخندق مباشرة ولم يعقب، وانضم إلى أخلائه.

وفي خضم تلك المعارك الدامية استشهد ما يقارب العشرين من طلابه النجباء، أما طالبه الكاتب ملا حبيب، فبعد أن أدَّى واجبًا عسكريًّا مع خليل باشا في جبهة «وان»، استشهد في «وسطان».

وكان الفدائيون الأرمن يذبِّحون أطفال المسلمين في عدد من المناطق، وكان المسلمون يقابلونهم بالمثل في ذبح أطفال الأرمن، ولكن ما إن جُمِع ألوف من أطفال الأرمن، في المنطقة التي كانت تحت إمرة بديع الزمان، حتى أمر الجنود: لا تتعرضوا لهؤلاء الأطفال بشيء، ثم أطلق سراحهم جميعًا، دون أن يمس أحدهم بسوء، فعادوا إلى عوائلهم التي كانت خلف الخطوط الروسية.

هذا السلوك كان درسًا قيمًا وعبرة للأرمن، مما دفعهم إلى الإعجاب بأخلاق المسلمين.

وعلى إثر هذه الحادثة؛ تخلَّى فدائيو الأرمن عن عادتهم في ذبح أطفال أهالي القرى التي احتلتها القوات الروسية، حيث قالوا: إن ملا سعيد لم يذبح أطفالنا، بل سلَّمهم إلينا، فنحن كذلك نفعل بأطفال المسلمين مثله، فتعاهدوا على ذلك، أي أن بديع الزمان أصبح سببًا في إنقاذ الآلاف من الأطفال الأبرياء من كلا الجانبين.

هذا وقد جرح في المعارك مع الروس وأسر في عام 1334 هـ واقتيد شبه ميت إلى «قوصتورما» من مناطق «سيبيريا» في «روسيا» حيث قضى سنتين وأربعة أشهر، هيأ له الله أثناء «الثورة البلشفية» الانفلات، فعاد إلى بلاده في 19 رمضان 1336هـ، الموافق 8 يوليو 1918م واستقبل استقبالًا رائعًا من قبل الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام وطلبة العلوم الشرعية، ومنح وسام الحرب.

تصوفه:

إن حياة النورسي كانت مظهرًا من مظاهر التصوف، فقد كان يريد أن يتجاوز الاسمإلى حقيقة المسمَّى، في وقت أصبح فيه التصوف مقترنًا بالبدع، سواء تعلَّق الأمر بالاسمأو بالمسمى.

يقول عن نفسه: (عندما رجعت من الأسر، وبينما كنت أحس بأني أسعد إنسان في العالم، نظرت إلى المرآة، ورأيت شعيرات بيضاء في رأسي وفي لحيتي، وإذا بتلك الصحوة الروحية التي أحسست بها في الأسر في جامع «قوصتورما» تبدأ بالظهور، فأخذتُ أمعن النظر وأفكر مدققًا في تلك الحالات التي كنت أرتبط بها قلبيًّا، وكنت أظنها أنها هي مدار السعادة الدنيوية، فما من حالة أو سبب دققت النظر فيه، إلا رأيت أنه سبب تافه وخادع، لا يستحق التعلق به، ولا الارتباط معه، فضلًا عن ذلك وجدت في تلك الأثناء، عدم الوفاء وفقدان الصداقة من صديق حميم، يُعدّ من أوفى الأصدقاء لي، وبشكل غير متوقع وبصورة لا تخطر لي على بال .. كل ذلك أدى إلى النفرة والامتعاض من الحياة الدنيا، فقلت لقلبي: يا تُرى هل أنا منخدع كليًّا؛ فأرى الكثيرين ينظرون إلى حياتنا التي يُرثى لها من زاوية الحقيقة نظر الغبطة؟ فهل جُنَّ جنون جميع هؤلاء الناس؟ أم أنا في طريقي إلى الجنون، لرؤيتي هؤلاء المفتونين بالدنيا مجانين بلهاء؟! وعلى كل حال .. فالصحوة الشديدة التي صحوتها برؤية الشيب جعلتني أرى أولًا:

فناء ما أرتبط به من الأشياء المعرّضة للفناء والزوال!!

ثم التفتّ إلى نفسي، فوجدتها في منتهى العجز! عندها صرختْ روحي، وهي التي تنشد البقاء دون الفناء، وتشبثَتْ بالأشياء الفانية متوهمة فيها البقاء، صرخَتْ من أعماقها: ما دمتُ فانية جسمًا، فأي فائدة أرجوها من هذه الفانيات؟ وما دمتُ عاجزة، فماذا أنتظر من العاجزين؟ فليس لدائي دواء إلَّا عند الباقي السرمدي، عند القدير الأزلي، فبدأت أبحث وأستقصي ...).

إذًا كانت هناك صحوة روحية بعد فكاكه من الأسر، وحدث في وجدانه تحول عظيم بنذير الشيخوخة والتفكر بالموت، وتوحيد قبلة توجّهه إلى القرآن الكريم بعد قراءته لكتاب الشيخ الگيلاني والإمام الرباني، وظهور بوادر تحول هائل في حياته حتى رغب في الانزواء عن الناس، فانسحب إلى تل «يوشع» ودخل مسلك التفكر والتأمل، نافضًا ما علق في فكره من لوثات الفلسفة، فكتب معاناته النفسية وانقلابه الروحي وانكشافه القلبي في «مثنويّه»، حتى اكتمل سعيدًا جديدًا في طريق قرآني هو: العجز والفقر والشفقة والتفكر.

أقرب طريق إلى الله:

يقول: (للوصول إلى الله سبحانه وتعالى طرائق كثيرة، وسبل عديدة، ومورد جميع الطرق الحقة، ومنهل السبل الصائبة، هو القرآن الكريم، إلا أن بعض هذه الطرق أقرب من بعض وأسلم وأعم.

وقد استفدت من فيض القرآن الكريم -بالرغم من فهمي القاصر- طريقًا قصيرًا وسبيلًا سويًّا، هو: طريق العجز، والفقر، والشفقة، والتفكر.

وهذا الطريق يختلف عما سلكه أهل السلوك في طرق الخفاء - ذات الخطوات العشر كاللطائف العشر- وفي طرق الجهر - ذات الخطوات السبع حسب النفوس السبعة- فهذا الطريق عبارة عن أربع خطوات فحسب، وهو حقيقة شرعية أكثر مما هو طريقة صوفية.

ولا يذهبن بكم سوء الفهم إلى الخطأ، فالمقصود بالعجز والفقر والتقصير إنما هو إظهار ذلك كله أمام الله سبحانه، وليس إظهاره أمام الناس.

أما أوراد هذا الطريق القصير وأذكاره، فتنحصر في اتباع السنة النبوية، والعمل بالفرائض، ولا سيما إقامة الصلاة باعتدال الأركان، والعمل بالأذكار عقبها، وترك الكبائر.

أما منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم، فهي:

{فلا تُزكّوا أنفُسَكم} (النجم:32) تشير إلى الخطوة الأولى.

{ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهُم أنفُسَهم} (الحشر:19) تشير إلى الخطوة الثانية.

{ما أصابكَ مِن حسنةٍ فمن الله، ومَا أصابكَ مِن سيئةٍ فِمن نفسِك} (النساء:79) تشير إلى الخطوة الثالثة:

{كلُّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجْهَه} (القصص:88)، تشير إلى الخطوة الرابعة.

وإيضاح هذه الخطوات الأربع بإيجاز شديد هو:

الخطوة الأولى:

كما تشير إليها الآية الكريمة {فلا تزكوا أنفسكم}، وهي: عدم تزكية النفس؛ ذلك لأن الإنسان حسب جبلَّته، وبمقتضى فطرته، محبٌ لنفسه بالذات، بل لا يحب إلا ذاته في المقدمة، ويضحي بكل شئ من أجل نفسه، ويمدح نفسه مدحًا لا يليق إلا بالمعبود وحده، وينـزّه شخصه ويُبرئ ساحة نفسه، بل لا يقبل التقصير لنفسه أصلًا، ويدافع عنها دفاعًا قويًّا بما يشبه العبادة، حتى كأنه يصرف ما أودعه الله فيه من أجهزة لحمده سبحانه وتقديسه إلى نفسه، فيصيبه وصف الآية الكريمة: {من اتّخذ إلهَه هَواه} (الفرقان:43) فيعجب بنفسه ويعتد بها .. فلا بد إذًا من تزكيتها، فتزكيتُها في هذه الخطوة وتطهيرها هي بعدم تزكيتها.

الخطوة الثانية:

كما تلقّنه الآية الكريمة من درس: {ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهُم أنفُسَهم}؛ وذلك أن الإنسان ينسى نفسه ويغفل عنها، فإذا ما فكر في الموت صرفه إلى غيره، واذا ما رأى الفناء والزوال دفعه إلى الآخرين، وكأنه لا يعنيه بشيء، إذ مقتضى النفس الأمارة أنها تذكر ذاتها في مقام أخذ الأجرة والحظوظ وتلتزم بها بشدة، بينما تتناسى ذاتها في مقام الخدمة والعمل والتكليف، فتزكيتها وتطهيرها وتربيتها في هذه الخطوة، هي العمل بعكس هذه الحالة، أي عدم النسيان في عين النسيان، أي نسيان النفس في الحظوظ والأجرة، والتفكر فيها عند الخدمات والموت.

الخطوة الثالثة:

هي ما ترشد إليه الآية الكريمة: {ما أصابكَ مِن حَسَنةٍ فَمِنَ الله وما أصابكَ مِنْ سيئة فمن نفسك}؛ وذلك أن ما تقتضيه النفس دائمًا أنها تنسب الخير إلى ذاتها، مما يسوقها هذا إلى الفخر والعجب، فعلى المرء في هذه الخطوة أن لا يرى من نفسه إلا القصور والنقص والعجز والفقر، وأن يرى كل محاسنه وكمالاته إحسانًا من فاطره الجليل، ويتقبلها نعمًا منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدل الفخر، ويحمد بدل المدح والمباهاة، فتزكية النفس في هذه المرتبة هي في سر هذه الآية الكريمة: {قَد أفلَحَ مَنْ زَكّاها} (الشمس:9)، وهي أن تعلم بأن كمالها في عدم كمالها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها، أي: كمال النفس في معرفة عدم كمالها، وقدرتها في عجزها أمام الله، وغناها في فقرها إليه.

الخطوة الرابعة:

هي ما تعلمه الآية الكريمة: {كُلُّ شَيٍء هالكٌ إلاّ وجْهَه}؛ ذلك لأن النفس تتوهم نفسها حرة مستقلة بذاتها؛ لذا تدّعى نوعًا من الربوبية، وتضمر عصيانًا حيال معبودها الحق، فبإدراك الحقيقة الآتية ينجو الإنسان من ذلك، وهي: كل شئ بحد ذاته، وبمعناه الاسمي: زائلٌ، مفقود، حادث، معدوم، إلا أنه في معناه الحرفي، وبجهة قيامه بدور المرآة العاكسة لأسماء الصانع الجليل، وباعتبار مهامه ووظائفه: شاهد، مشهود، واجد، موجود.

فتزكيتها في هذه الخطوة هي معرفة: أن عدمها في وجودها ووجودها في عدمها، أي إذا رأت ذاتها وأعطت لوجودها وجودًا، فإنها تغرق في ظلمات عدم يسع الكائنات كلها، يعني إذا غفلت عن مُوجِدها الحقيقي -وهو الله- مغترة بوجودها الشخصي؛ فإنها تجد نفسها وحيدة غريقة في ظلمات الفراق والعدم غير المتناهية، كأنها اليراعة في ضيائها الفردي الباهت في ظلمات الليل البهيم، ولكن عندما تترك الأنانية والغرور ترى نفسها حقًّا أنها لا شيء بالذات، وإنما هي مرآة تعكس تجلِّيات موجدها الحقيقي؛ فتظفر بوجود غير متناهٍ، وتربح وجود جميع المخلوقات.

نعم، من يجد الله فقد وجد كل شيء، فما الموجودات جميعها إلا تجليات أسمائه الحسنى جل جلاله.

إن هذا الطريق هو أقصر وأقرب من غيره، لأنه عبارة عن أربع خطوات، فالعجز إذا ما تمكن من النفس يسلِّمها مباشرة إلى القدير ذي الجلال، بينما إذا تمكن العشق من النفس -في طريق العشق الذي هو أنفذ الطرق الموصلة إلى الله- فإنها تتشبث بالمعشوق المجازي، وعندما ترى زواله تبلغ المحبوب الحقيقي.

ثم إن هذا الطريق أسلم من غيره؛ لأنه ليس للنفس فيه شطحات أو ادعاءات فوق طاقتها، إذ المرء لا يجد في نفسه غير العجز والفقر والتقصير كي يتجاوز حده.

ثم إن هذا الطريق طريق عام وجادة كبرى؛ لأنه لا يضطر إلى إعدام الكائنات ولا إلى سجنها، حيث إن أهل وحدة الوجود توهموا الكائنات عدمًا، فقالوا: لا موجود إلا هو؛ لأجل الوصول إلى الاطمئنان والحضور القلبي، وكذا أهل وحدة الشهود، حيث سجنوا الكائنات في سجن النسيان، فقالوا: لا مشهود إلا هو؛ للوصول إلى الاطمئنان القلبي.

بينما القرآن الكريم يعفو الكائنات بكل وضوح عن الإعدام ويطلق سراحها من السجن، فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر إلى الكائنات على أنها مسخرة لفاطرها الجليل وخادمة في سبيله، وأنها مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى، كأنها مرايا تعكس تلك التجليات، أي أنه يستخدمها بالمعنى الحرفي، ويعزلها عن المعنى الاسمي من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها، وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائم على نهج القرآن الكريم؛ فيجد إلى الحق سبحانه طريقًا من كل شيء.

وزبدة الكلام: إن هذا الطريق لا ينظر إلى الموجودات بالمعنى الاسمي، أي لا ينظر إليها أنها مسخرة لنفسها ولذاتها، بل يعزلها من هذا ويقلدها وظيفة أنها مسخرة لله سبحانه. ا.هـ. بتصرف.

رياضته ومجاهدته:

لقد جمع الباحث الدؤوب نجم الدين شاهين أر مشاهدات معظم الذين عاصروا الأستاذ النورسي وسجّل ذكرياتهم عنه في أربعة مجلدات موسومة بـ Sonsahitler، وتُرجمت مقتطفات منها، ونُشرت تحت اسم «ذكريات عن سعيد النورسي» وهذه نماذج منتقاة من تلك الذكريات بما يناسب المقام.

الصلاة في أوقاتها:

كان الأستاذ جمّ الخشوع في صلاته، ويقرأ الآيات آية بعد آية، وبعدما يقف منتصبًا للصلاة ينوي ثم يكبر بـ(الله أكبر) بصوت عال جدًّا، يكاد دويه يهز البيت الخشبي الذي يسكنه، وكانت الرهبة تملأنا ونحن خلفه مأمومون.

كان يهتم كثيرًا بأوقات الصلاة، وحريصًا عليها كل الحرص، وأسوق هنا مثالًا:

خرج يومًا من «إسبارطة» إلى «أميرداغ»، ولم يبق إلا خمس دقائق للوصول إلى «أميرداغ»، وإذا بوقت الصلاة قد حان، فنظر الأستاذ إلى ساعته فأقام بمن معه الصلاة، ولم يكن الأستاذ يبالي بالبرد القارس ولا بالمطر إذا ما حان وقت الصلاة، فكان يؤديها في أوقاتها في الحل والترحال، وكان يقول:

(إن أكثر من مائة مليون شخص من كل أرجاء العالم الإسلامي، يجتمعون في الجامع المعظم، ويشكلون جماعة كبرى لأداء كل صلاة في وقتها، فكل فرد من هذه الجماعة يدعو للجماعة كلها، بقوله: {اهدنا الصراط المستقيم}، فهذه الآية الكريمة تصبح بمثابة دعاء وشفيع لكل فرد من أفراد الجماعة، نفهم من هذا: عِظم الثواب غير المتناهي والأخروي، الذي يناله الفرد المؤدي صلاته في أوقاتها، فالذي لا يشترك إذًا مع هذه الجماعة، لا يحصل على حظه من ذلك الثواب، مثله في هذا: الجندي الذي لم يجلب قصعته لأخذ طعامه من المطبخ الرئيس، فلا يستلم أرزاقه المخصصة، أي أن الذي لا يؤدي الصلوات في أوقاتها، كأنه لا يأخذ أرزاقه المعنوية من القدر الرئيس في المطبخ المعنوي للجماعة الكبرى.

تسبيحات الأستاذ:

كان يرشد إلى أن التسبيحات والأذكار عقب الصلاة إنما هي بحكم نوى للصلاة وبذورها، وكان يسبّح ويذكر الله بصوت رخيم حزين، فعندما يقول: سبحان الله .. سبحان الله، كنا نسمعه يصدر على مهل من أعماق أعماق قلبه.

وعندما كان يقول: «لا إله إلَّا الله»، ويبدأ بالتسبيحات، ويستمر بها يصبح صوته كفرقعة المدافع في قوته وشدته، فلو كان عنده شخص من أهل الطريقة الصوفية؛ إذًا لأخذته الجذبة والشوق!

أذكار الليل:

كان الأستاذ ينام قليلًا ويأكل قليلًا جدًّا، بحيث لا يكفي لإشباع حاجة الإنسان الاعتيادي، وكان يقول لنا: (النوم الفطري والطبيعي هو خمس ساعات في اليوم).

وكان من عاداته -التي لم يتخل عنها طوال حياته المباركة- أن يقضي الليالي بالتسبيح والتهليل والدعاء والمناجاة والتهجد، وكان على وضوء دائم، وكان جيران الأستاذ في «إسبارطة» و«بارلا» و«أميرداغ» يقولون لنا: كلما نظرنا إلى بيت الأستاذ في الليل، رأينا مصباحه الخافت مضاء، ونسمع أنين أذكاره الحزين ودعاءه الرقيق.

ليالي رمضان:

كان الأستاذ في النصف الثاني من شهر رمضان المبارك، يقيم الليل كله ولا ينام، وما كان يسمح لنا أن ننام أيضًا، وفي أكثر الأحيان كان يتفقدنا، فإذا رأى أحدنا نائمًا يرش عليه الماء ويوقظه، فعلَّمنا السهر، فكنا نقيم الليالي المباركة، ونبقى مستيقظين حتى صلاة الفجر وبعدها ننام، وكان يذكرنا بالحديث الشريف: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»، ويعلمنا بأن هذه الليالي تتضمن ليلة مباركة هي ليلة القدر، يعادل الثواب فيها ثواب عبادة ثمانين سنة.

وكان الأستاذ ينشغل بأوراده طوال شهر رمضان، ويقرأ جزءًا واحدًا كاملًا من القرآن الكريم كل يوم، ويحثنا على التلاوة؛ فكنا نقرأ جزءًا كل يوم أيضًا.

كان الأستاذ لا يسمح -قطعًا- بترك الأذكار الواردة سنةً مؤكدة عقب الصلوات، وهي: «سبحان الله»، «الحمد لله»، «الله أكبر»، بثلاث وثلاثين مرة، وكذا: «لا إله إلا الله»، كما ورد ذلك في رسالته في ملحق قسطموني، حول المتكاسل في الأذكار، وكان يدعو بدعاء ترجمان الاسم الأعظم، الذي يبدأ: «سبحانك يا الله، تعاليت يا رحمن، أجرنا من النار، بعفوك يا رحمن ...» عقب صلاة الصبح والعصر.

أما بين المغرب والعشاء، فكان يذكر ما ورد في بداية «اللمعات»، بدعاء سيدنا يونس وأيوب عليهما السلام.

وبالنسبة لـ«دعاء الجوشن الكبير» و«الأوراد القدسية» للشاه النقشبند، فقد داوم عليهما وبيَّن أهميتهما في نهاية اللمعة الثالثة عشرة، أما «دلائل النور» فهي مختارات من الصلوات المشهورة لدى الأولياء كالشيخ الگيلاني والسيد البدوي وإبراهيم الدسوقي والجنيد البغدادي وأمثالهم من الأقطاب، ولم يبين الأستاذ لهذه الصلوات وقتًا معينًا، وقد شاهدناه في سجن آفيون سنة 1949م يقرأها قبل الفجر بعد انشغاله بالعبادات أربع ساعات ليلًا، ولكن عندما تجاوز به العمر في سنة 1954م، قال: قصرت أورادي إلى ساعتين.

وكان يقوم لصلاة التهجد كل ليلة.

عندما كان ينشغل الأستاذ بعباداته وتضرعاته ومناجاته، كان يجلس جلسة التشهد في الصلاة، وكان يطيل هذا النوع من الجلوس ساعات طوالًا، حتى إنه من جراء هذا الجلوس تقرحت إصبع قدمه.

فذات يوم طلب من أحد طلابه وهو ملا رسول -الذي كان منهمكًا في إيقاد الحطب وإشعاله في الموقد- مرهمًا لمداواة إصبعه، فالتفت إليه ملا رسول قائلاً: ونحن أيضًا نخشى الله ونخافه يا أستاذنا، ولكنك ترتعد من خشيتك حتى تكاد مرارتك تنفجر، فلو كنت تجلس مطمئنًا مثلنا لما تقرحت إصبعك!

فأجابه قائلًا: (ملا رسول! ملا رسول! لقد جئنا إلى هنا لكي نظفر بحياة أبدية خالدة، بهذا العمر القصير والدنيا القصيرة، أأعيش هنا كيفما أشاء ثم أدّعي الجنة وأطلبها؟!! .. لا يجوز هذا أبدًا! فلا أجرأ على العيش كما أهوى!

كان الأستاذ يقول هذا، وملا رسول يضع المرهم على الجرح آملًا بالشفاء.

كان الأستاذ لا يصرف وقته سدىً قط، فلا أراه إلا قائمًا يصلي، أو داعيًا متضرعًا، أو مسبحًا ذاكرًا، أو متأملًا في ملكوت السموات والأرض، فهو حتمًا منشغل بشغل يهمه، وحينما يزوره الأصدقاء كان يكلمهم، ويأخذ معهم بأطراف الحديث، وأول ما يبادرهم بالسؤال: هل من مسجد في قريتكم؟ وأي درس يدرِّسه أئمة المساجد؟ فإذا أجابه الزائر بأنه ليس لديهم مسجد ولا معلم يعلمهم، كان يتألم كثيرًا ويحزن، ويعجب من أمرهم، كيف يعيشون في مكان ليس فيه مسجد ولا مرشد؟!

وكان يغضب كثيرًا من الغِيبة والكذب ولا يسمح -بأي حال- لأحد أن يغتاب أحدًا عنده.

حياة كلها عمل:

في صباح يوم جميل من أيام الربيع، ذهبت لأجمع الحطب، وكان الأستاذ يعاونني في العمل، فلم أقبل منه ذلك، فقلت: أستاذي الكريم، إنني أكفيك العمل فلا تتعب نفسك، فأجابني قائلًا: (أخي، إن همتي وغيرتي لا تسمحان لي بالقعود وأنت تعمل أمامي، فلو عرفتَ ما في الغيرة والهمة من خير، لكنت تقضي عمرك كله دون أن تخلد إلى الراحة، فما كانت تفوتك دقيقة فارغة).

حقًّا لقد كانت حياته كلها عملًا.

فلم يكن للأستاذ أي وقت فراغ طول حياته، فهو إما يقرأ، أو يُصحِّح، أو يُقرأ له وهو يستمع .. كان في كلامه لطافة جمة وفيض كبير؛ إذ ما كنا لنتضايق ولا نملّ، حتى لو طال الدرس من الصباح حتى المساء، وما كنا نضجر لو مشينا طريقًا طويلًا معه، وابتلينا بمصاعب معه، أو نال منا الجوع ما نال، وكلما شعرنا بضيق ننظر إلى وجهه الوضاح فترتاح نفوسنا، وتنشرح صدورنا، ونتحمس للعمل بشوق أكثر دون توقف ليلًا ونهارًا، على الرغم من أننا قد لا ننام، فقد كنا نسهر الليالي الطوال من دون أن نشعر بالتعب لأجل الخدمة في نشر حقائق القرآن.

من أقواله:

آه .. آه .. وا أسفى.. لقد انخدعنا فتركنا جوهر الإسلام ولبابه، وحصرنا النظر في قشره وظاهره.

يا نفسي! اتخذي هذا الدستور السامي دليلًا: من آمن بالقدر أَمِنَ من الكَدر. ولا تلهثي وراء لذائذ موقتة تافهة كالطفل الغرير. فكري دومًا أن الأذواق الفانية تورث فيك حسرات وآلامًا معنوية، بينما الآلام والمشقات تورث لذائذ معنوية وأثوبة أخروية، فإن لم تكوني بلهاء يمكنك أن تتحري عن الأذواق المؤقتة للشكر وحده، وما أُعطيت اللذات إلَّا للشكر.

إن ما أنعم الله عليك من وجودك وتوابعه، ما هو إلا إباحة وليس بتمليك، فلك أن تتصرف فيما أعطاك كما يرضى من أعطى، لا كما ترضى أنت، كمن أضاف أحدًا، ليس للضيف أن يسرف أو يصرف فيما لا إذن للمضيف فيه.

إن القرآن الحكيم بمثابة عقل الأرض وفكرها الثاقب، فلو خرج القرآن -والعياذ بالله- من هذه الأرض لجُنَّت الأرض، وليس ببعيد أن تنطح رأسها الذي أصبح خاليًا من العقل بإحدى السيارات، وتتسبب في حدوث قيامة، أجل إن القرآن هو العروة الوثقى، وحبل الله المتين، يربط ما بين العرش والفرش، وهو يقوم بحفظ الأرض أكثر مما تقوم به قوة الجاذبية، ورسائل النور هي التفسير الحقيقي، والتفسير القوي لهذا القرآن العظيم.

إن معرفة الله المستنبطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة، ولا تورث الاطمئنان القلبي، في حين أن تلك المعرفة إذا جاءت على نهج القرآن المعجز، فإنها تصبح معرفة تامة، وتَسكُب الاطمئنان الكامل في القلب ... وكما أن معرفة الله الناشئة من علم الكلام تبدو ناقصة وقاصرة، فإن المعرفة عن طريق التصوف ناقصة ومبتورة بالنسبة لنفسها، أمام المعرفة المستفادة من القرآن الكريم مباشرة من قبل ورثة الأنبياء.

إنه لأجل الحصول على الماء، هناك من يأتي به من مكان بعيد، يحفر في أسفل الجبل، وآخرون يجدون الماء أينما حفروا، ويفجرونه حيثما كانوا، فالأول سَيْر طويل في طريق وعر، والماء معرض فيه للانقطاع والشحة، وهذا هو مسلك علماء الكلام؛ إذ يثبتون واجب الوجود باستحالة الدور والتسلسل غير المتناهي للأسباب، أما منهج القرآن الكريم، فهو يجد الماء ويفجره في كل مكان بيسر تام، فكل آية من آياته الجليلة، تُفجر الماء كعصا موسى أينما ضرَبْت:

وفي كل شيء له آية .... تدل على أنه الواحد

ثم إن الإيمان لا يحصل بالعلم فحسب؛ إذ هناك لطائف كثيرة للإنسان لها حظها من الإيمان ....

في الوقت الذي يلزم لصد هجوم زندقة رهيبة تُغير منذ أربعين سنة، فدائيون يضحّون بكل ما لديهم، قررت أن أضحي لحقيقة القرآن الكريم لا بسعادتي الدنيوية وحدها، بل حتى اذا استدعى الأمر بسعادتي الأخروية كذلك ....

إن مشربنا: محبة المحبة، ومخاصمة الخصومة، أي إمداد جنود المحبة بين المسلميـن، وتشتيت عساكر الخصومة فيما بينهم، أما مسلكنا: فهو التخلق بالأخلاق المحمدية صلى الله عليه وسلم وإحياء السنة النبوية، ومرشدنا في الحياة: الشريعة الغراء، وسيفنا: البراهين القاطعة، وهدفنا: إعلاء كلمة الله.

نحن الشرقيون لا نشبه الغربيين، إذ المهيمن على قلوبنا الشعور الديني؛ فإنّ بعث الأنبياء في الشرق، يشيـر به القدرُ الإلهي، إلى أن الشعور الديني وحده، هو الذي يستنهض الشرق، ويسوقه إلى التقدم والرقي، والعصر السعيد - وهو خير القرون والذي يليه - خير برهان على هذا.

من مؤلفاته

الكلمات

المكتوبات

اللمعات

الشعاعات

إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز

المثنوي العربي النوري

الملاحق

صيقل الإسلام

قطوف من أزاهير النور

الآية الكبرى

ومؤلفات عديدة أخرى.

وقد ترجمت إلى اللغات العربية، والإنجليزية، والألمانية، والأردية، والفارسية، والكردية، والفرنسية، والروسية وغيرها.

وفاته:

توفي سعيد النورسي في الخامس والعشرين من رمضان المبارك سنة 1379هـ الموافق الموافق 23/3/1960م.

انتظر تلاميذه أن يؤمهم لصلاة الفجر، فلم يأت، فتوقعوا مرضًا عاقه، ولكنه كان اليقين الصادق الذي إذا حان موعده فلن يؤخر، وانتشر الخبر كالريح العاصف، فتدافع الجمهور إلى وداعه، ودفن في احتفال مهيب، وأخذ وفود الزائرين يتقاطرون على المثوى بمدينة «أورفة» دون انقطاع .

وبعد الانقلاب العسكري في تركيا في 27/5/ 1960م، قام الانقلابيون العسكر بنقل رفات الإمام النورسي بالطائرة إلى جهة غير معلومة، بعد أن أعلنوا منع التجول في مدينة «أورفة»؛ فأصبح قبره مجهولًا حتى الآن لا يعرفه الناس.

ولكن الذين أخفوا ضريحه، لم يقدروا على إخفاء تاريخه، فاندفع الخطباء يؤبّنونه، وظهرت بعض الكتب خاصة بحياته، وتألفت جمعيات تنتسب إلى اسمه.

مصادر الترجمة:

- «كليات رسائل النور» لبديع الزمان النورسي.

- «إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز» لبديع الزمان النورسي.

- «ذكريات عن سعيد النورسي».

- «حقيقة التوحيد» لبديع الزمان النورسي.

- «النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين» للدكتور محمد رجب البيومي.

- موقع سعيد النورسي.


التقييم الحالي
بناء على 50 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث