نسخة تجريبيـــــــة
التصوف السلفي

التصوف السلفي
د. أحمد شوقى إبراهيم العمرجى
    يقول الدكتور على جمعة : إن التصوف الذى ندعو إليه لا علاقة له بما يراه الناس من مظاهر سلبية سيئة , ولايجوز لنا أن نعرف التصوف ونحكم عليه من بعض الجهلة المدعين , وإنما نسأل  العلماء الذين يمتدحون التصوف حتى نفهم سبب مدحهم له (1) .
     ولقد نشأت الآن ناشئة تنكر التصوف لما رأته من بعض خلل أو بدع ممن ينتسبون إلى التصوف , ولو نظرنا إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم , لوجدنا أن هذا الذى فعلوه مخالف للمنهج النبوى ؛ فلقد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصناماً حول الكعبة فلم يهدم الكعبة , وإنما أزال الأصنام وأبقى الكعبة . هذا هو المنهج النبوى , إنه منهج ربانى , كذلك لو نظرنا إلى قوله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) (2) , فهذه الآية تبين أن الصحابة كان عندهم حرج أن يفعلوا تلك الأفعال التى فعلها المشركون عندما قصدوا وحجوا إلى بيت الله , وأراد الصحابة إلغاء السعى جملة , لكن السعى من دين إبراهيم , هذا من الحنيفية , هذا بأمر الله – سبحانه وتعالى – وهؤلاء المشركون قد خلطوا الوثنية بشريعة إبراهيم , فخلصها الله – سبحانه وتعالى – منها , وجعل شريعة إبراهيم صافية , نحج بها إلى يومنا هذا : من طواف , وسعى , ورمى , ومبيت , ووقوف بعرفة ... إلى آخر هذا , وخلصها من النواقص أو الزوائد التى أضافها الوثنيون المشركون , لم يُلغ هذا الأمر , لأن هذا ليس  من الإنصاف , وليس من العدل , ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الإنصاف والعدل   ؛  ولذلك خلًص هذا من ذاك (3) .
       يمتاز المسلم الصوفى بأنه من أهل الذكر يحاول ذلك ويداوم عليه , وبرغم أن التصوف ( خلق وعبادة وعمل ودعوة ), إلا أن صفة الذكر غلبت عليه حتى عرف بها وعرفت به , إذ التصوف الحق , حضور ومراقبة , وشهود , وتسام روحى , فلا يكون مع الغفلة أبداً ذاكراً بقلبه ولسانه , وبنظره وبفكره وبكل حركاته وسكناته, فكل سلوكه الدنيوى كالدينى , عبادة ظهرت أم خفيت , فهو بكل ما يصدر منه من قول أوعمل عابد – حتى المتعة – يريد وجه الله ليس إلا (4).
    ويذكر عباس محمود العقاد : أنه ليس من الإنصاف أن تُحمل على التصوف أوزار الأدعياء واللصقاء الذين يندسون فى صفوفه نفاقاً واحتيالاً , او جهلاً وفضولاً , فأنه مامن نحلة فى القديم والحديث سلمت من أوزار اللصقاء الذين ينتمون إليها من غير أهلها , ولكن التصوف على حقيقته الكاملة هو حرية الضمير فى الإيمان بالله على الحب والمعرفة , فالمجتمع الإسلامى أحق المجتمعات بالتصوف وأولاه بحرية الضمير التى يسمو إليها الإنسان (5) .
     أن التصوف جزء أصيل من صميم الإسلام , أما المستحدث فى التصوف فهو المستحدث فى كل علوم الإسلام , حين أخذت هذه العلوم طريقها إلى التقعيد , والتفصيل , والتسجيل فى عهد التدوين , منذ بدأ فى أواخر القرن الأول الهجرى فما بعده , وقد اختص التصوف بخدمة علم الأخلاق التطبيقى  (وهو الغاية الكبرى من التدين جميعاً ) لترويض الوحشية الإنسانية والإرتقاء بها فى معارج التسامى إلى مقامات الخلافة عن الله فى الأرض , ثم الترقى فى مراتب القرب , والولاية والوصول (6 ) .
       يتحدث ابن خلدون فى مقدمته عن أصحاب التصوف السلفى بقوله :( إن طريقة هؤلاء لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ,  طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والإنقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق فى الخلوة للعبادة وكان ذلك عاماً فى الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا فى القرن الثانى وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة) ( 7 ) .
    وهؤلاء قد سبقت لهم بالتقريب السعادة لتسكن فى قلوبهم المنيرة نار الإرادة , فاحترقوا شوقاً إلى نار القرب , وتمزقوا فى الهوى وخرجوا عن العادة , وجميع أنواع الدنيا ، والخل والجاه , بل رفضوا جميع ماسوى الله تعالى وجعلوه وحده هو المطلب , وهجروا المنام وجانبوا الكلام , واشتعلت فى قلوبهم نار الغرام , فمنهم من اضطرمت فيه نار المحبة فقلقته لذعة الهوى , وأزعجته لوعة الجوى  , فليس له قرار , بل هو هائم فى البرارى والقفار , ومنهم من سكن الخرابات بقلب عامر , ومنهم من جاور بقلب حى للموتى فى المقابر , فذلك مستأنس بوحش الفلا , وذلك ناظر إلى خراب الدنيا , وذا معتبر بمنازل الموتى (8) . 
    استطاع الشيخ أبو الحسن الشاذلى أن يقوم بتجديد التصوف , حيث نزل بهذا التصوف السلفى القديم من الخوانق والزوايا إلى حياة الجد والكفاح, فقد كان جواداًبما يملك وكريماً يكره البخل , كما كان يسعى للتخفيف من الآلام والمصائب التى تنزل على كثير من الخلق , مما يضطره فى أحيان كثيرة إلى الإتصال بالملوك والأمراء من أجل كشف الضر عن الناس مع الزهد التام عما فى أيديهم , وهذا – ولاشك – من إمارات تخلقه بخلق الرحمة الإلهية .
       وكان  الشاذلى يقول (9 ) : ليس هذا الطريق بالرهبانية , ولا بأكل الشعير والنخالة , وإنما بالصبر على الأوامر واليقين فى الهداية  , قال  تعالى  :     (  وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون )(10).
    وعلى هذا الأساس من الفهم العميق لروح الإسلام ومقاصد الشريعة , صار الشاذلى ينظر إلى التصوف (11) .
      وبهذا الأسلوب استطاع الشاذلى أن يجذب إليه نخبة من العلماء "كالعز ابن عبد السلام "  و " ابن دقيق العيد "  ,وهو ما يعكس لنا صورة صادقة للمكانة الممتازة التى يتبوأها الشاذلى فى المجتمع المصرى , فقد كان العز بن عبد السلام يقول للناس بعد أن يستمع إلى الشيخ الشاذلى : اسمعوا هذا الكلام الغريب , القريب العهد من الله (12).
     وكان الشاذلى يلبس الفاخر من الثياب , ويركب الفاره من الدواب , ويتخذ الخيل الجياد  , ولا تعجبه المرقعات التى يتخذها عامة المتصوفة , وقد دخل عليه يوماً فقير وعليه ملابس شعر , فلما فرغ الشيخ من حديثه , دنا من الشيخ , وأمسك بملبسه الجميل , وقال : يا سيدى ما عُبد الله بهذا اللباس الذى عليك , فأمسك الشيخ بملبسه فوجد فيه خشونة , فقال له : ولا عبد الله بهذا اللباس الذى عليك , لباسى يقول للناس : أنا غنى عنكم فلا تعطونى , ولباسك يقول للناس : أنا فقير إليكم فاعطونى  .
    دخل أبو العباس المرسى على أستاذه الشاذلى يوماً وفى نيته أكل الخشن من الطعام , ولبس الخشن من الثياب , فقال له الشاذلى : ياأبا العباس اعرف الله وكن كيف شئت  , وكان المرسى يقول عن طريقته وطريقة شيخه : نحن إذا جاءنا مريد له شيئ من الدنيا لانقول له اخرج دنياك وتعالى , ولكن ندعه  حتى تترشح فيه أنوار المنة , فيكون هو الخارج من  الدنيا بنفسه (13) .
        والتصوف الجديد الذى دعا إليه الشاذلى يقوم على مراعاة الله فى الباطن , ولا ضير على الإنسان بعد ذلك , إن لم يتلبس ظاهره بكثير عمل , أو كثير عبادة وكان يقول : إن  الشيخ الكامل من دلك على راحتك , لا من دلك على تعبك (14 ) .

     وقد عبر ابن عطاء الله عن هذه الحقيقة فى حكمة بليغة , قال فيها : إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك , فأنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك , ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك , والأعمال أنت مهديها إليه , وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك (15) .

    روى عن الشيخ أبى الحسن الشاذلى رضى الله تعالى عنه أنه كان يحضر عنده فقهاء الإسكندرية والقاضى , فجاءوا مرة مختبرين للشيخ , فتفرس فيهم , وقال : يا فقهاء هل صليتم قط ؟ فقالوا : يا شيخ وهل يترك أحدنا الصلاة ؟ , فقال لهم : قال الله تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعا , إذا مسه الشر جزوعا , وإذا مسه الخير منوعا , إلا المصلين ) (16 ), فهل أنتم كذلك ؟ إذا مسكم الشر لا تجزعوا , وإذا مسكم الخير لاتمنعوا ؟ قال : فسكتوا جميعاً , فقال لهم الشيخ فما صليتم قط هذه الصلاة ( 16 ) .
     التصوف هو تذوق حقائق الإسلام , وهذا المفهوم العام للتصوف باعتباره ( الإسلام بذوق ) يعنى عدة أمور , منها : أنه لاشيئ فى التصوف يخرج عن سياج الشريعة الإسلامية, وأنه لايسع الصوفى مهما كانت مرتبته الروحية أن يسقط قاعدة شرعية , وأنه لايمكن أن تتعارض الحقائق الصوفية مع صريح الكتاب والسنة .. فإذا ما تسامت الحقيقة الذوقية , ولم يدرك الفرد أصلاً شرعياً لها , فإن الواجب هنا التوقف حتى يلوح الأصل الشرعى لفهمه , وإلا استغنى عما لا يفهمه ( 17 ) .

مصادر ومراجع البحث :
(1 ) د  على جمعة محمد : البيان القويم لتصحيح بعض المفاهيم ص 90 ( دار السندس للطباعة , الطبعة الأولى 2006 م ) .
   ( 2 ) سورة البقرة , آية 158 .
  (  3  )   د على جمعة محمد : وقال الإمام , المبادئ العظم ص 198 ( الوابل الصيب للأنتاج والتوزيع والنشر ) .
(  4)  محمد زكى إبراهيم : أصول الوصول , الجزء الأول , ص 25 ( الطبعة الخامسة , مؤسسة إحياء التراث الصوفى ) .
( 5 ) عباس محمود العقاد : بحوث إسلامية ( التصوف ) ص 946 ( دار الكتاب العربى , بيروت , لبنان , الطبعة الأولى 1971 م ) .
(6)  محمد زكى إبراهيم : الفروع الخلافية ص 28 -29 ( مطبوعات ورسائل العشيرة المحمدية , القاهرة , الطبعة الأولى 1995 م , تقديم : محى الدين الأسنوى ) .
  ( 7 ) ابن خلدون : مقدمة ابن خلدون ص 328 (  دار ابن خلدون , الإسكندرية ).
( 8) عبد الله العيدروس : أسرار السلوك إلى ملك الملوك ص15-16 (دار جوامع الكلم , تحقيق: د محمد سيد سلطان ) .
( 9 )  ابن الصباغ :  درة الأسرار وتحفة الأبرار ص 96 ( تحقيق : السيد حسن منصور شعبان , دار الحسين الإسلامية ) .
( 10  ) سورة السجدة , آية : 24 .
   ( 11)    د عبد الوهاب فرحات : أبو الحسن الشاذلى ص 105- 108 ( مكتبة مدبولى , الطبعة الأولى , 2003 م ) .
( 12 ) السيوطى : تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية ص 59 ( تحقيق  :  عبد الله الصديق الغمارى , مكتبة القاهرة  ,  الطبعة  الثالثة , 2008م ) .
( 13)   ابن عطاء الله السكندرى : لطائف المنن ص 74 , 128 ( د حسن جبر شقير , دار الحسين الإسلامية ) .
( 14  ) ابن عباد : المفاخر العلية فى المآثر الشاذلية ص 18 ( مطبعة الحسين الإسلامية ) .
  ( 15) ابن عجيبة الحسنى : إيقاظ الهمم فى شرح الحكم ص 27 ( مطبعة مصطفى البابى الحلبى , الطبعة الثالثة 1982 م ) .
( 16)   ابن عطاء الله السكندرى : تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ص 104 ( دار جوامع الكلم , مصر , 1425 للهجرة ) .
( 17 )  د يوسف زيدان الطريق الصوفى ص 11 ( دار الجيل , بيروت , الطبعة الولى 1991م ) . 


التقييم الحالي
بناء على 97 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث