نسخة تجريبيـــــــة
التصوف السني

 

التصوف السني

د. أحمد شوقي إبراهيم العمرجي

التصوف هو العلم الذي يحمي مرتبة الإحسان، فهو علم قد أُنشئ من أجل أن يبين للناس كيف يعبدون الله سبحانه وتعالى كأنهم يرونه، وكيف أنه في حال الانحطاط عن هذه الرتبة «كأنك تراه» تأتي مرتبة «فإنه يراك»، كيف يراقبون الله سبحانه وتعالى، وما ملامح هذا الطريق التي توصل إلى الله، وهم من كل ذلك يعتمدون على الكتاب والسنة، يقول سيد الطائفة الجنيد: «طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة»(1).

يمكن تلخيص تعريف التصوف السني في كلمة واحدة، هي: «التقوى» في أرقى مستوياتها الحسية والمعنوية.

فالتقوى عقيدة وخُلُق، فهي معاملة الله بحسن العبادة ومعاملة العباد بحسن الخلق، وهذا الاعتبار هو ما نزل به الوحي على كل نبي، وعليه تدور حقوق الإنسانية الرفيعة في الإسلام.

وروح التقوى هو «التزكي» و(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)(2) و(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)(3).

وبهذا المعنى تستطيع أن تستيقن بأن التصوف قد مُورس فعلاً في العهد النبوي، والصحابة، والتابعين من بعدهم.

فالتصوف عبادة، وخُلق، ودعوة، وأخذ بالعزائم، واعتصام بالقيم الرفيعة، فمن ذا الذي يقول: إن هذه المعاني ليست من صميم الإسلام؟

إنها مغالطات، أو أغاليط، نظروا فيها إلى هذا الركام للدخول على التصوف من المذاهب الشاذة، أو الضالة، ولم ينظروا إلى حقيقة التصوف.

والحكم على الشيء بالمدخول عليه: غلط أو مغالطة.

والحكم على المجموع بتصرف أفراد انتسبوا إليه صدقًا أو كذبًا: ظلم مبين(4).

يقول أبو الحسن الشاذلى رضي الله عنه: خذ بعلم الله الذي أنزله على رسوله، واقتد به وبالخلفاء والصحابة والتابعين من بعده وهداية الأئمة المربين من الهوى ومتابعته، تسلم من الشكوك والظنون والأوهام والدعاوى الكاذبة المضلة عن الهدى وحقائقه(5).

ويرى الشيخ أحمد زروق أنه: لا تصوف إلا بفقه إذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف إذ لا عمل إلا بصدق التوجه. ولا هما إلا بإيمان إذ لا يصح واحد منهما دونه، فلزم الجميع كتلازم الأرواح للأجساد(6).

وقد كتب الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم إلى أحد خواص مريديه يقول:

يا ولدي: الصوفي أكثر من (فقيه) فالفقيه وقف عند الأقوال، والصوفي أكثر من (عابد) إذ العابد وقف عند الأعمال، أما هو فقد جمع بينهما فأثمر (الأحوال).

والصوفي أكثر من (زاهد)، إذ الزاهد في الدنيا زاهد في لا شيء، أما الصوفي فلا يزهد إلا فيما يحجبه عن الله، وبهذا يجعل الدنيا في يده، لا في قلبه(7).

ويصف ابن عطاء الله السكندري الصوفية بقوله: كانت الدنيا في أكفهم لا في قلوبهم، صبروا عنها حين فُقدت، وشكروا الله حين وُجدت، وإنما ابتلاهم الله سبحانه بالفاقة في أول أمرهم حتى تكملت أنوارهم وتطهرت أسرارهم فبذلها لهم، لأنهم لو أعطوها قبل ذلك لعلها كانت تأخذ منهم، فلما أعطوها بعد التمكين، والرسوخ واليقين، تصرفوا فيها تصرف الخازن الأمين، وامتثلوا فيها قول رب العالمين: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)(8).

وكانت الدنيا في أيدي الصحابة لا في قلوبهم، ويكفيك في ذلك خروج عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن نصف ماله كله.

وخروج أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن ماله كله.

وخروج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن سبعمائة بعير موفورة بالأحمال، وتجهيز عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، جيش العسرة إلى غير ذلك من أفعالهم، ومن شتى أحوالهم(9).

ومن أخلاقهم رضي الله عنهم، غيرتهم لله تعالى إذا انتهكت حرماته، نصرة للشريعة المطهرة، فكانوا لا يفعلون فعلاً ولا يصحبون أحدًا إلا إن علموا رضى الله تعالى فيه، فلا يحبون أحدًا ولا يبغضونه لعلة دنيوية(10).

وقد لخص الشاذلي رضي الله عنه معنى التصوف السني بقوله: «إذا عارض كشفك الكتاب والسنة، فتمسك بالكتاب والسنة، ودع الكشف، وقل لنفسك إن الله قد ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب الكشف، ولا الإلهام، ولا المشاهدة، مع أنهم أجمعوا على أنه لا ينبغي العمل بالكشف ولا الإلهام إلا بعد عرضه على الكتاب والسنة»(11).

ويرى الشيخ المربي د. علي جمعة: أن الطريقة الصوفية ينبغي أن تتصف بأمور منها:

أولاً: التمسك بالكتاب والسنة، إذ الطريقة الصوفية هي منهج الكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو ليس من الطريقة، بل إن الطريقة ترفضه وتنهى عنه.

ثانيًا: لا تعد الطريقة تعاليم منفصلة عن تعاليم الشريعة بل جوهرها(12).

قال الشيخ الشاذلي(13): رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : يا علي طهر ثيابك من الدنس، تحظ بمدد الله في كل نفس.

قلت يارسول الله:

وما ثيابي؟

قال: اعلم أن الله قد خلع عليك خمس خُلع: خُلعة المحبة، وخُلعة المعرفة، وخُلعة التوحيد، وخُلعة الإيمان، وخُلعة الإسلام.

فمن أحب الله هان عليه كل شيء.

ومن عرف الله، صغر لديه كل شيء.

ومن وحد الله لم يشرك به شيئًا.

ومن آمن بالله أمن من كل شيء.

ومن أسلم لله قل ما يعصيه، وإن عصاه اعتذر إليه، وإن اعتذر إليه قبل عذره.

ففهمت حينئذ معنى قوله عز وجل: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)(14).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. علي جمعة محمد: «وقال الإمام، المبادئ العُظمى» (الوابل الصيب للإنتاج والتوزيع والنشر، مصر، الطبعة الأولى 2010م) ص 196.

(2) سورة الأعلى، آية: 14.

(3) سورة الشمس، آية: 9.

(4) الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم: «أبجدية التصوف الإسلامي» (مؤسسة إحياء التراث الصوفي، الطبعة الخامسة) ص13-15.

(5) ابن عباد: «المفاخر العلية في المآثر الشاذلية» (دار الحسين) ص56.

(6) الشيخ أحمد زروق: «قواعد التصوف» (تحقيق: محمد زهدي النجار، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة) ص49.

(7) الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم: «الخطاب»، (تحقيق: حسن محمود، الطبعة السابعة) ص20.

(8) سورة الحديد، آية: 7.

(9) ابن عطاء الله السكندري: «تاج العروس» (دار جوامع الكلم) ص168.

(10) النبهاني: «سبيل النجاة» (تحقيق: صفوت جودة أحمد، دار الخلود للتراث) ص 33.

(11) عبد الوهاب الشعراني: «الطبقات الكبرى» (تحقيق: سليمان الصالح، دار المعرفة، بيروت، لبنان) ص 301.

(12) د. علي جمعة محمد: «البيان القويم» (دار السندس للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة) ص 88.

(13) ابن عطاء الله السكندري: «لطائف المنن» (دار الحسين الإسلامية، تحقيق: حسن جبر حسين) ص 51.

(14) سور المدثر، آية: 4.


التقييم الحالي
بناء على 111 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث