نسخة تجريبيـــــــة
حكم اتخاذ المسبحة

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم اتخاذ المسبحة
الحمد لله وكفى وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، ثم أما بعد:
فإن السبحة من الأمور التي جرى حولها الخلاف، وأثيرت عليها ضجة كبيرة، على الرغم من أنها مما اعتاده الناس في كل العصور زمنًا بعد زمن وطبقة بعد طبقة على اختلاف مذاهبهم، وتواتر عن العلماء استعمالها، حتى قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الماتع «المنحة في السبحة»: «ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروهًا».
* تعريف السبحة:
السبحة- بضم السين المهملة وسكون الباء الموحدة: هي الخرز المنظوم الذي يعد به الذكر والتسبيح.
لماذا نستعمل السبحة؟
* لو تأملنا في القرآن الكريم والسنة والنبوية المطهرة، لوجدنا أن الله عز وجل أمر الأمة بالإكثار من الذكر، فقال وهو أصدق القائلين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب: 41، 42]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك»، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقييد بعض الأذكار بعدد معين أحاديث كثيرة، كما في الأذكار دبر الصلوات، وأذكار الصباح والمساء... إلخ.
من هنا ندرك أن السبحة في حقيقتها ليست مقصدًا، وإنما هي وسيلة تعين العابد على ذكر مولاه، تجعل الجوارح في ذِكر دائم، تعين الذَّاكر على الخشوع واستحضار القلب في الذكر حتى يصل الذاكر إلى الأنس بالله، لأن بعض الذكر المعدود الذي جاءت به السنة الشريفة لا ينحصر بالأنامل غالبًا، ولو أمكن حصره لكان الاشتغال بالحصر مذهبًا للخشوع.
فذهب الناس إلى استعمال ما يعينهم على العد دون الانشغال بالوسيلة عن المذكور جل وعلا، فكانت بعض أمهات المؤمنين تتخذ من النوى وسيلة للعد، وكذا الصحابة رضوان الله عليهم.
وبعض الناس يستعمل السبحة ليستعين برؤيتها على الذِّكر، أي كلما رآها ذَكر أنها آلة للذِّكر فقاده ذلك إلى الذِّكر، لأن الإنسان قَل أن يراها إلا ويذكر الله، كذلك البعض يستعملها ليكون كل عضو فيه يذكر الله كما قال عمر المالكي: رأيت أستاذي الحسن البصري وفي يده سبحة فقلت: يا أستاذ مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة؟ فقال لي: شيء كنا استعملناه في البدايات ما كنا نتركه في النهايات، أحب أن أذكر الله بقلبي وفي يدي ولساني.
* وقبل أن نشرع في سرد الأدلة وآراء العلماء، نرى أنه لمن الواجب علينا أن نفرق بين الوسيلة والمقصد، فمن المقرر شرعًا أن الوسائل لها حكم المقاصد.
قال الإمام العز بن عبد السلام في «القواعد الصغرى»: «للوسائل أحكام المقاصد من الندب والإيجاب والتحريم والكراهة والإباحة».
وقال الإمام الشاطبي في «الموافقات»: «إن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لأنفسها وإنما هي تبع للمقاصد بحيث لو سقطت المقاصد سقطت الوسائل».
وبهذا نفهم أن السبحة في حقيقتها وسيلة للذكر، وسيلة لعبادة الله، تعين الذاكر على ضبط المعدود.
* مشروعية السبحة:
1- أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مئة مرة؛ حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر».
* وفي هذا الحديث دليل على أن في الأذكار ما يعتبر فيه الحصر والعد، والسبحة وسيلة إلى ضبط العدد الذي ورد الترغيب فيه.
2- أخرج الترمذي في «سننه» والحاكم في «المستدرك»، والطبراني في «الكبير»، وأبو يعلى في «مسنده» بأسانيدهم، عن صفية رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن، فقال: «يا ابنة حيي ما هذا؟» قلت: أسبح بهن، قال: «قد سبحت منذ قمت على رأسك بأكثر من هذا» قلت: علمني يا رسول الله، قال: «قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
* قال المباركفوري في «تحفة الأحوذي»: «قال القاري: هذا الحديث أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره صلى الله عليه وسلم، فإنه في معناها، إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما بعد به، ولا يعتد بقول من عدها بدعة».
* وقال ابن علان في شرحه على الأذكار للإمام النووي: «قال ابن الجوزي: إن السبحة مستحبة، لما في حديث صفية أنها كانت تسبح بنوى أو حصى، وقد أقرها صلى الله عليه وسلم على فعلها، والسبحة في معناها؛ إذ لا يختلف الغرض عن كونها منظومة أو منثورة».
3- أخرج أبو داود، والترمذي، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»: بأسانيدهم عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك». قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح، وقال السيوطي في «الحاوي»: صحيح.
* قال ابن نجيم في كتابه «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»: «لم ينهها عن ذلك -أي عن فعلها- وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل، ولو كان مكروها لبين لها ذلك، ثم هذا الحديث ونحوه مما يشهد بأنه لا بأس باتخاذ السبحة المعروفة لإحصاء عدد الأذكار إذ لا تزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى ونحوه في خيط ومثل هذا لا يظهر تأثيره في المنع فلا جرم إن نقل اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية الأخيار وغيرهم».
4- أخرج أبو داود والترمذي بسندهما عن يسيرة -وكانت من المهاجرات -قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس واعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات ولا تغفلن فتنسين الرحمة».
* الأمر هنا بالعد على الأصابع ليس على سبيل الحصر بحيث يمنع العد بغيرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع العد بغيرها، بل أقره، وإقراره من أدلة المشروعية.
ثم إن هذا الحديث يؤكد على أنه ليس في الإسلام وسيلة معينة أمرنا بالتزامها حتى لا يجوز غيرها؛ بل الأمر متروك لعرف الناس وعاداتهم في ضبط أمورهم وحصرها، والإسلام لا يمنع من ذلك.
5- أخرج الإمام أحمد في «الزهد» بسنده عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي الدرداء نوى من نوى العجوة حسبت عشرًا أو نحوها في كيس، وكان إذا صلى الغداة أقعى على فراشه فأخذ الكيس فأخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن، فإذا نفدن أعادهن واحدة واحدة كل ذلك يسبح بهن، قال: حتى تأتيه أم الدرداء فتقول يا أبا الدرداء: إن غدائك قد حضر، فربما قال ارفعوه فإني صائم.
6- أخرج أبو داود والترمذي بسندهما عن شيخ من طفاوة قال: تثويت أبا هريرة بالمدينة، فلم أر رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد تشميرًا ولا أقوم على ضيف منه، فبينما أنا عنده يومًا وهو على سرير له ومعه كيس فيه حصى أو نوى -وأسفل منه جارية له سوداء- وهو يسبح بها حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها فجمعته فأعادته في الكيس فدفعته إليه... الحديث.
7- وأخرج ابن سعد عن عكرمة أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبح بقدر ذنبي. وصحح الحافظ ابن حجر إسناده في «الإصابة في تمييز الصحابة».
8- أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن مولاة لسعد: أن سعدًا كان يسبح بالحصى والنوى.
9- وأخرج ابن سعد في «الطبقات» بسنده عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها.
والأمثلة الواردة عن الصحابة والتابعين كثيرة جدًّا، ويطول الوقت في حصرها واستيعابها، لذا ففي هذا القدر كفاية لمن أراد أن يكتفي.
* وبعد ذكر هذه الأدلة وآراء العلماء والفقهاء، ذهب قوم إلى الاعتراض على السبحة بعدة طرق إما بنصوص لا يوحي ظاهرها ولا باطنها إلى بدعية السبحة -كما يزعمون-، وإما بأنها من أفعال الهنود وغيرهم، وإما بأقوال تنقل دون دراسة لمذهب المتكلم، وإما.. وإما.
ومما ذكروه رافضين به استعمال السبحة قول بعضهم: «ولم أر واحدًا منهم التفت إلى تاريخ وجودها في تعبدات الأمم الأخرى لدى البوذيين، والهندوس، والنصارى في أيدي الرهبان والراهبات فيما ابتدعوه، ولا إلى تاريخ تسربها إلى بعض المسلمين عن طريق الروافض والدراويش».
سبحان الله هل هذا استدلال يصح في نظر العلماء؟! وهل التفت القائل إلى أن التاريخ لم ينقل لنا أن واحدًا من العلماء نص على بدعية السبحة؟!
ثم إن لنا أن نسأل: هل كل ما وجد في تعبدات الأمم الأخرى نتركه -حتى وإن كان في شرعنا- لمجرد أنه وجد عند الهنود أو البوذيين أو غيرهم؟!! أم نتركها لمجرد أنها وجدت في أيدي النصارى؟!!
وبإجابتهم على هذه التساؤل سيلزمهم أمران أحلاهما مر، إن قالوا: نعم، إذن فسيتركون الكثير والكثير من السنن التعبدية لمجرد أنها وافقت أفعال غير المسلمين، وإن قالوا: لا، فسد قولهم.
ونؤكد فنقول: إن السبحة في حقيقتها كما ذكرنا في بداية البحث وسيلة للعبادة وليست هي العبادة بعينها فثمة فارق كبير بين العبادة وبين الوسيلة إليها.
كذلك أيضًا استشهد بعضهم بما روي عن بعض الصحابة في منع العد وإن كانت في جملتها ضعيفة من حيث الإسناد، وأصح ما ورد في المنع بعض ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ومن ذلك:
ما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن إبراهيم، قال: «كان عبد الله يكره العد، ويقول: أيمن على الله حسناته؟».
ما رواه ابن وضاح عن الصلت بن بهرام، قال: «مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجله، ثم قال: لقد سبقتم، ركبتم بدعة ظلمًا، ولقد غلبتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا».
ظاهر هذه الآثار -إن صحت- أن ابن مسعود يكره السبحة ونحوها، والأمر في حقيقته ليس كذلك، فابن مسعود يكره مطلق العد، فلا يكره النوى والحصى لمجرد أنه نوى أو حصى، ولا يكره السبحة لأجل أنها سبحة؛ بل لأجل أنه ينهى عن عد الذِّكر بأي وسيلة كانت، فعد الذِّكر عنده مرفوض، حتى ولو بالأنامل، وعليه فلا يمكن أن يقال إن ابن مسعود يكره السبحة بل يقال إن ابن مسعود يكره العد وهذا واضح جلي في قوله رضي الله عنه: «على الله تعدون، أو على الله تسمعون، قد كفيتم الإحصاء والعدة»، وفيما رواه إبراهيم عنه قال: «كان عبد الله يكره العدد ويقول أيمن على الله حسناته».
وقد كان ابن عمر ينهى أيضًا عن عد الذكر ففي مصنف ابن أبي شيبة: فصل فيمن كره عقد التسبيح: حدثنا أزهر السمان عن ابن عون عن عقبة قال: سألت ابن عمر عن الرجل يذكر الله ويعقد، فقال: تحاسبون الله؟!
* آداب وأحكام في استعمال السبحة:
قال الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم: «ولو اتخذ السبحة من نوع جيد بنية تعظيم الذكر والمذكور سبحانه كان لا بأس به ولا حرج عليه، فإن اتخذها من نوع غال بنية المفاخرة، والشهرة، ولفت النظر كانت حرامًا، واتخاذ المسبحة الكاملة أفضل من اتخاذ الثلث قولًا واحدًا.
كما يحرم اتخاذ السبحة للهو، واللعب، والمفاخرة، ومجرد إشغال اليد؛ لأنها أداة عبادة. كما يحرم العد عليها من غير ذكر؛ لأنه تشبه كاذب وعبث. كما أفتى بذلك الإمام ابن الحاج.
وقد أفتى الإمام العدوي بعدم اتخاذ السبح الكبار اللافتة للأنظار أو نحو ذلك. ونقول: لما في ذلك من طلب الشهرة، والرياء، وحب زعم الولاية، واستغلال السذج، واستغفال العامة، والله الموفق للصواب.
هذا وقد رأيت بعيني رأسي -والله شهيد- أن كبار الذين كانوا ينكرون حمل المسبحة، وقد أصبح يلازم حمل أنواع مما يسمى (الثلث) يعبث به هكذا وهكذا.
وقد أكد مشايخنا رضي الله عنهم على ألا يُظهر المريد مسبحته إلا في داره، أو بين إخوانه في الله، أو في المسجد، حتى لا تدخله شبهة الرياء أو نحوها، وأن يجعل يده مع المسبحة في جيبه إن شاء أن يعد بها وهو بين الناس».اهـ.
وفي «النفحة الرحمانية بذكر شروط وآداب الطريقة التجانية»: «وندب اتخاذ السبحة للذاكر للإعانة بها ويصونها عن الأذى ويجعلها في جيبه أو في الكيس بعد الفراغ من الذكر، وليحذر من تعليقها بالعنق فإنه من دواعي الشهرة».
وأخيرًا نقول: ولا يجوز التوسع في إطلاق اسم البدعة على كل ما لم يكن معروفًا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أن يجرنا الخلاف في السبحة إلى جدل عقيم قد يضر، والأهم من ذلك هو الإخلاص في الذكر ولا تضر بعد ذلك وسيلته. والله ولي التوفيق.


التقييم الحالي
بناء على 132 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث