نسخة تجريبيـــــــة
التصوف وعمارة الأرض ج 2

بسم الله الرحمن الرحيم

التصوف وعمارة الأرض (2) التصوف

دكتور أحمد شوقي إبراهيم العمرجي

يدعو إلى حب الحياة والتفاعل معها دكتور أحمد شوقي إبراهيم العمرجي يظن بعض الناس أن الصوفية قوم كسالى، وأن التصوف مظهرًا من مظاهر الضعف، إلا أن حياة رجال الصوفية تهدم دعوى أعداء الصوفية وأدعيائها على حد سواء. يقول الإمام الجنيد: الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح(1).

ويوضح لنا الشيخ المربي الداعي إلى الله على بصيرة من ربه الدكتور علي جمعة في كتابه «التربية والسلوك»: أن الله خلق لنا الحياة منّة منه لنا فجملها وزينها، استضافنًا فيها فأكرمنا وأَحْيَانَا ورزقنا وهدانا، والحياة بهذه الصفة هي هبة ربانية ومنحة صمدانية أرشدنا الله سبحانه وتعالى كيف نتعامل معها.. وكيف نتمتع بها.. أرشدنا سبحانه لما فيه صلاح دنيانا، كيف نضعها وما أولوياتها، أمرنا الله ونهانا وبين لنا وثبتنا في كتابه وفي سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلنا لا ننسى نصيبنا منها، وأمرنا بالتأمل والتفكر فيها، وجعل ذلك من سمات عباد الرحمن الذين يذكرون الله كثيرًا.

ربنا سبحانه وتعالى يضع دستور ذلك كله فيقول: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 77].

فالمسلم هو الذي يحب الحياة حبًّا حقيقيًّا، يعرف قيمتها ويعرف منّة ربه عليه بها، ولايتجاوز شأنها ولا يضعها في قمة اهتمامه فتحجبه عن الله(2). وقد أعلنت هنا في مصر حقوق الإنسان لأول مرة قبل قيام الثورة الفرنسية بثلاث سنوات على يد صوفي كبير هو الإمام الدردير فقد قاد الثورة الوطنية على الأمراء المماليك التي اشتعل لهيبها في عام 1200هـ/1786م، وكان من نتائج ذلك اعتراف المماليك بأن الأمة مصدر السلطات، وبعدم فرض ضرائب جديدة إلا برأي الشعب، واعترافهم الكامل بحرية الأمة وكرامتها(3).

كان الإمام الشاذلي يكره المريد المتعطل، ويحث على طرق باب الأسباب والعمل، وكان يعمل في الزراعة على نطاق واسع، فهو يتحدث في خطاب له لأحد أصدقائه عن سبب تأخيره في السفر فيقول: «وسبب الإمساك عن السفر في العادة زرع لنا يدرس قد حرث لنا في ثلاثة مواضع»(4).

ويعلق الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق على ذلك بقوله: «إن الذي يؤخر أبا الحسن عن السفر ليس هو زرع فدان أو فدانين، فالأرض قد حرثت في ثلاثة مواضع»(5).

والنظرية الشاذلية في الغنى والفقر تفضل الغني الشاكر على الفقير الصابر، وتعلل ذلك بأن الصبر فضيلة في الدنيا فقط أما الشكر فإنه فضيلة في الدنيا والآخرة، وكان أبو الحسن الشاذلي يقول: الشكر صفة أهل الجنة والصبر ليس كذلك، وقال بعض العارفين: لو علم الشيطان طريقًا توصل إلى الله أفضل من الشكر لوقف فيها، ألا تراه كيف قال: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف: 17]، ولم يقل أكثرهم صابرين ولا خائفين، ولا راجين(6).

كان الشيخ عبد الوهاب الشعراني من أهم الشخصيات الصوفية في مصر إبان العصر العثماني وقد درج البعض على جعله زعيمًا دينيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، والواقع أن مؤلفات الشعراني تعج بالقضايا الدينية والصوفية والاجتماعية والسياسية التي كانت مطروحة في عصره (القرن السادس عشر الميلادي) ولم يعش معتكفًا في زاويته وبين مريديه وقد عاصر الدولتين المملوكية والعثمانية.

وكان الشيخ إبراهيم الدسوقي يقول: عليك بالعمل وإياك وشقشقة اللسان بالكلام في الطريق دون التخلق بأخلاق أهلها، والصوفي الصادق هو الذي يُطعم ولا يُطعم(7).

يذكر الدكتور محمد رجائي الطحلاوي رئيس جامعة أسيوط الأسبق ومحافظ أسيوط الأسبق في كتابه عن الشاذلي: أنه عندما أغار الصليبيون على مصر في الحملة الصليبية السابعة عام 647هـ/1249م، بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا كان الشيخ الشاذلي من أبرز القادة الروحيين الذين أسهموا إسهامًا كبيرًا في هذه المعركة رغم أنه كان كبيرًا في السن وقد كف بصره، فإنه لم يتخلف عن أداء واجبه الديني والوطني فغادر الإسكندرية إلى المنصورة، وانضم إلى جماعة من علماء وأولياء زمانه ورجال الدين وفي طليعتهم الشيخ العز بن عبد السلام وكونوا فريقًا من خيرة الدعاه إلى الجهاد(8).

كان مجرد سيرهم في الحواري والشوارع تذكيرًا بالنصر أو الجنة وكان حفزًا للهمم، وتثبيتًا للإيمان، وتأكيدًا لصورة الجهاد الإسلامي التي قادها في عصور الإسلام الأولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون رضوان الله عليهم أجمعين(9).

ولم يعد التصوف عند الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم رحمه الله خلوات وأوراد وحلقات ذِكر فحسب فقد مزج بين التعاون على البر كسلوك وبين الاجتماع على الذِّكر وتلقي العلم الشرعي كأساس للتربية الروحية والقلبية والعمل الاجتماعي الإنساني(10).

فالتصوف ليس ضعفًا وانعزالاً، إنه الجهاد والعلم في أصفى موارده والخلق في أعلى مثله، والإيمان في أسمى أنواره وإشراقاته، لقد كان التصوف الإسلامي طوال أيام تاريخنا المضيئ المنتصر هو القوة الملهمة للفداء والتضحية وهو الروح الصانعة للعزمات والوثبات، وهو الدرع الذي يحمي أخلاقنا ويصوع قائدنا ويحوبيننا وبينال تحل لوالتفكك والفناء(11).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن عجيبة الحسني: «معراج التشوف إلى حقائق التصوف» ص15 (تحقيق: صفوت جودة أحمد، الطبعة الأولى 2008م، دار الخلود للتراث).

(2) دكتور علي جمعة: «التربية والسلوك» ص371 (مكتبة الوابل الصيب للإنتاج والتوزيع والنشر، الطبعة الأولى 1428هـ/ 2007م، المقطم، القاهرة).

(3) محمد عبد الشافي: «مكانة التصوف والصوفية في الإسلام» ص167 (مطابع الناشر العربي بالقاهرة 1966م).

(4) الحميري المعروف بابن الصباغ: «درة الأسرار وتحفة الأبرار» ص40 (دار الحسين الإسلامية، القاهرة).

(5) الدكتور عبد الحليم محمود: «قضية التصوف، المدرسة الشاذلية» ص 61 (مطابع دار المعارف).

(6) ابن عطاء الله السكندري: «لطائف المنن» (تحقيق: دكتور حسن جبر شقير، طبعة دار الحسين الإسلامية 2002م).

(7) الشعراني: «الطبقات الكبرى» ص247، 258 (دار المعرفة، بيروت لبنان، تحقيق: سليمان الصالح، الطبعة الأولى 2005م).

(8) دكتور محمد رجائي الطحلاوي: «أبو الحسن الشاذلي، رحلة الاغتراب من زغوان إلى عيذاب» ص108 (مكتبة جاد الكبرى بالفجالة، الطبعة الثانية 2007م).

(9) دكتور عبد الحليم محمود: «قضية التصوف، المدرسة الشاذلية» ص57.

(10) المستشار الدكتور مصطفى أحمد سعفان: «ملامح التجديد في النهوض بالطريقة الصوفية عند سيدي الرائد محمد زكي الدين إبراهيم» ص152 (دار نوبار للطباعة).

(11) دكتور عامر النجار: «الطرق الصوفية في مصر» ص53 (الطبعة الرابعة، دار المعارف).


التقييم الحالي
بناء على 99 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث