نسخة تجريبيـــــــة
التصوف وعمارة الأرض ج 1

بسم الله الرحمن الرحيم

التصوف وعمارة الأرض

دكتور أحمد شوقي إبراهيم العمرجي

أهل التصوف هم أهل الفهم عن الله، توكلوا عليه، فكان بمعونته لهم، فكفاهم ما أهمهم، وصرف عنهم ما أغمهم، واشتغلوا بما أمرهم عما ضمن لهم، علمًا منهم بأنه إلى غيره لا يكلهم، ومن فضله لا يمنعهم، فدخلوا في الراحة، ووقفوا في جنة التسليم، ولذاذة التفويض، فرفع الله بذلك مقدارهم، وكمل أنوارهم(1).

ولكون التصوف مبنيًّا على الكتاب والسنة دخل فيه عظماء العلماء وانضم إلى زمرة أهله فحول الكبراء، كالحافظ أبي نعيم، والإمام عز الدين بن عبد السلام، والحافظ ابن الصلاح، والإمام النووي، وتقي الدين السبكي وابنه تاج الدين السبكي، والحافظ السيوطي وغيرهم(2).

قال الإمام الشافعي: صحبت الصوفية فاستفدت منهم كلمتين، قولهم: «الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك» وقولهم: «نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل»(3).

يقول الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم: دخل الصوفية الراشدون على الله من باب الذكر، فأفادوا الدين والدنيا ونجحت تجاربهم إلى درجة اليقين القطعي عندهم وقد أصابوا ويصيبون من أسرار القدس الأعلى وأنواره ما لا طاقة لكاتب بوصفه أو تفصيله، وكانت تجاربهم في هداية الناس أنجح ما عرف الناس، وستظل كذلك بإذن الله(4).

ومن آدابهم: اجتناب الكسل والضجر، فيقول أبو عبد الله السلمي: سمعت محمد بن عبد الله الطبري يقول: سمعت علي بن بابويه يقول: إياك والكسل والضجر فإنك إذا كسلت لم تؤد حق الله تعالى، وإذا ضجرت لم تصبر على حق الله تعالى(5).

إن التصوف قدرة نفسية وطاقة هائلة لايقدر على تحملها إلا الأفذاذ، فالصوفي الحق هو ذلك الإنسان الذي استطاع أن يقهر رغبات نفسه وشهواتها وتحرر من سلطان جسده، وتدرج في مدارج الصوفية الروحية، فانتقل من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام ليصل في النهاية إلى المعرفة اليقينية، ومتى تحقق بهذه المعرفة فقد توصل إلى السعادة واليقين، وقد لجأ إليهم الناس في أوقات الشدة فوجدوا عندهم التعاطف والمشاركة والعناية والأمن والسكينة(6).

إن المتأمل في تاريخ التصوف الإسلامي بصفة عامة والمتفحص حقائق الحب الإلهي ودقائقه ورقائقه بصفة خاصة، يلاحظ أن الصوفية المسلمين المحقيقين المتحقيقين، إنما كانوا عارفين بالله بقدر ما كانوا محبين له، أو أنهم محبون لله بقدر ما هم عارفون به(7).

زعم البعض أن التصوف دعوة إلى العزلة والسلبية والتواكل، وما السلبية والتواكل إلا أمراض اجتماعية ألصقت بالتصوف زورًا وبهتانًا، أما الصوفية فلا يعرفون السلبية ولا التواكل أبدًا، ولو تتبعت يا أخي آداب المريد  بكتب الصوفية لوجدتهم جميعًا يدفعون تلاميذهم إلى العمل والإنتاج ويؤكدون لهم أنه لا تتحقق خلافة الله على الأرض بالسلبية والتواكل والاستسلام.

وقد كانت الألقاب الصوفية تدل على ما يزاولونه من مهن وحرف وصناعات فمنهم القصاب، والوراق، والخراز، والبزاز، والحلاج، والزجاجي، والحصري، والصيرفي، والمقرئ، والفراء، والسماك، وهذا أكبر دليل أنهم كانوا بحق مثالاً للمسلم الكامل إيمانًا وعملاً وصلةً كبرى بالله، فالتواكل مرض دخيل على التصوف الصحيح يعالجه علماء الصوفية كل بأسلوبه.

يقول الدكتور عبد الحليم محمود: لقد قيل لأحد شيوخنا الصالحين الأجلاء: إن أحدهم ينتقد فلانًا من شيوخ التصوف في المجلات، فقال رضوان الله عليه: وهل من حق الخنافس أن تحكم على أعمال الأسد، إن الخنافس لا تحكم على أعمال السباع وليس من حقها أن تتحدث فيما تفعله السباع، ومنطقها دائمًا منطق الخنافس(8)

ومن طريف ما يروى في التصوف الإسلامي أن علومه كلها ذوق، أن تلميذًا للصوفي محيي الدين بن عربي جاء يومًا ليقول له: (إن الناس ينكرون علينا علومنا، ويطالبوننا بالدليل عليها، فقال له ابن عربي ناصحًا: إذا طالبك أحد بالدليل والبرهان على علوم الأسرار الإلهية، فقل له: ما الدليل على حلاوة العسل، فلا بد أن يقول لك: هذا علم لا يحصل إلا بالذوق، فقل له: هذا مثل ذاك(9).

ويعلق الدكتور أبو الوفا التفتازاني نائب رئيس جامعة القاهرة الأسبق على هذا الكلام بقوله: وهذه الإجابة من ابن عربي تدل على عمق تحليله لأحوال التصوف، فهو يريد أن يقرر أن التصوف يتعلق بمجال العواطف الإنسانية، وهو مجال لا يخضع -بلغة علماء النفس المحدثين للقياس الكمي- وسبيل معرفته هو المعاناة ولا شيء غيرها، كما أنه لا يخضع لمنطق العقل واستدلالاته(10).

يذكر الدكتور علي جمعة في كتابه «التربية والسلوك»: أن ثمة حقيقة شرعية وهي أن الإنسان قبل البنيان والساجد قبل المساجد، هذا ما بينه لنا ربنا سبحانه وتعالى، وعلى هذا ربَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وعلى نهجه سار التابعون بإحسان قرنًا بعد قرن وجيلاً بعد جيل حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ثم يضيف الإمام الدكتور قوله: هذا المسجد الذي نحن فيه لما بناه «السلطان حسن» ألحق به دارًا للطب (بيمارستان) حتى يخفف الآلام عن المرضى، وألحق به مدرسة تحيط بنا في كل مكان حتى ينقلوا العلم لمن بعدهم، وكانوا يدرسون أكثر من سبعين علمًا، منها: الفلك والطب والهندسة...إلخ، حتى مكنهم الله من إقامة مثل هذا البناء الذي مازال شامخًا جميلاً، فيه من الروحانية ما الله به عليم إلى يومنا هذا بعد مضي القرون (يرجع تاريخ إنشاء هذا المسجد الذي يقصده الإمام المربي إلى عام 747 للهجرة- عام 1356 للميلاد)(11).

ويضيف المستشار الدكتور مصطفى سعفان القول: ولما كان الصوفي يعامل الله في أشخاص خلقه، فهو يحافظ أبدًا على ألا يراه الله حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، فكل ما يصدر عنه من أعمال الدنيا إنما يصدر عن إحسان وإيقان واحتياط، وإجادة مطلقة ومفضية إلى كل تجديد وأمانة وعفة، وتقديم وابتكار، فكل ذلك عنده عبادة مهداة إلى الحق، المستحق وحده للعبادة في كل صورة من صور الحياة العملية والفكرية، حتى صور الترفيه والمتعة الحلال، التي تريح النفس وتملأ القلب بالحمد والشكر لله الكريم الوهاب، فهي عند الصوفي عادة يؤديها لله، بحكم استخلافه على الأرض ليعمرها وينتفع بها ويستمتع بما فيها من زينة الله والطيبات من الرزق، ومن هنا يظهر الأثر الكبير للتصوف المستنير في دفع عجلة الحياة كلها إلى التسامي والتقدم، وهكذا نرى أن التصوف الحق إنما هو: دنيا ودين، وعبادة وخُلُق، وكفاح وإنتاج، وظاهر وباطن لأنه علم وعمل تطبيقي سلوكي رفيع، مَن فاته نصيبه منه، فقد فاته الخير الذي لا يعوض، ولزومه للشباب وللشيب ضرورة حيوية مادية وروحية معًا، فهو الطريق الوحيد لرد الاعتبار الإنساني المفقود في أسواق المادية(12).

وكان الشيخ أبو  الحسن الشاذلي ينصح أتباعه بقوله: «يا بني برّد الماء، فإنك إذا شربت الماء الساخن فقلت: الحمد لله، تقولها بكزازة، وإذا شربت الماء البارد فقلت: الحمد لله، استجاب كل عضو فيك بالحمد لله»(13).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن عطاء الله السكندري: «تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس» ص 144 (دار جوامع الكلم).

(2) الشيخ عبد الله الصديق الغماري: «حسن التلطف في بيان وجوب سلوك التصوف» ص 8 (مكتبة القاهرة، الطبعة الرابعة، 2006م).

(3) الحافظ جلال الدين السيوطي: «تأييد الحقيقة العلية، وتشييد الطريقة الشاذلية» ص 13 (مكتبة القاهرة، الطبعة الثالثة 2008م، تحقيق: عبد الله الصديق الغماري).

(4) محمد زكي الدين إبراهيم: «أصول الوصول» ج1 ص29 (الطبعة الخامسة، مؤسسة إحياء التراث الصوفي).

(5) أبو عبد الله السلمي النيسابوري: «جوامع آداب الصوفية» ص88-89 (دار جوامع الكلم، القاهرة).

(6) دكتور عامر النجار: «التصوف النفسي» ص422 (الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986م).

(7) دكتور محمد مصطفى حلمي: «الحب الإلهي في التصوف الإسلامي» ص60 (طبعة الهيئة العامة للكتاب 1986م).

(8) محمد عبد الحليم المنشاوي: «فلسفة التصوف الإسلامي» ص20 (مكتبة مدبولي 2008م).

(9) ابن عربي: «التدبيرات الإلهية» ص114-115 (طبعة نيبرج).

(10) دكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني: «مدخل إلى التصوف» ص10 (دار الثقافة للنشر والتوزيع).

(11) دكتور علي جمعة محمد: «التربية والسلوك» ص99-100 (الوابل الصيب للإنتاج والتوزيع والنشر).

(12) المستشار الدكتور مصطفى أحمد سعفان: «ملامح التجديد في النهوض بالطريقة الصوفية» ص45 (تحقيق د. سهير الزيني، ومحمد حسني زغلة، مؤسسة إحياء التراث الصوفي).

(13) ابن عطاء الله السكندري: «لطائف المنن» ص128 (تحقيق د.حسن جبر شقير، دار الحسين الإسلامية).


التقييم الحالي
بناء على 5 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
البحث